ج / 3 ص -100- الْقَدْرُ الَّذِي يَتَعَافَاهُ النَّاسُ فِي الْعَادَةِ، يَعْنِي يَعُدُّونَهُ عَفْوًا، قَالَ الْأَزْهَرِيُّ يَعُدُّونَهُ عَفْوًا قَدْ عُفِيَ لَهُمْ عَنْهُ، وَلَمْ يُكَلَّفُوا إزَالَتَهُ لِلْمَشَقَّةِ فِي التَّحَفُّظِ مِنْهُ.
قَالَ صَاحِبُ الشَّامِلِ: قَدَّرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِلُمْعَةٍ، وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ فِي دَمِ غَيْرِهِ مِنْ آدَمِيٍّ وَحَيَوَانٍ آخَرَ، وَأَمَّا دَمُ نَفْسِهِ فَضَرْبَانِ أَحَدُهُمَا مَا يَخْرُجُ مِنْ بَثْرَةٍ مِنْ دَمٍ وَقَيْحٍ وَصَدِيدٍ فَلَهُ حُكْمُ دَمِ الْبَرَاغِيثِ بِالِاتِّفَاقِ، يُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ قَطْعًا، وَفِي كَثِيرِهِ الْوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الْعَفْوُ، فَلَوْ عَصَرَ بَثْرَةً فَخَرَجَ مِنْهَا دَمٌ قَلِيلٌ عُفِيَ عَنْهُ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ. وَهُمَا كَالْوَجْهَيْنِ السَّابِقَيْنِ فِي دَمِ الْقَمْلَةِ وَنَحْوِهَا إذَا عَصَرَهُ فِي ثَوْبِهِ أَوْ بَدَنِهِ.
الضَّرْبُ الثَّانِي: مَا يَخْرُجُ مِنْهُ لَا مِنْ الْبَثَرَاتِ بَلْ مِنْ الدَّمَامِيلِ وَالْقُرُوحِ وَمَوْضِعِ الْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ وَغَيْرِهَا. وَفِيهِ طَرِيقَانِ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَدَمٍ الْبَرَاغِيثِ وَالْبَثَرَاتِ فَيُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ. وَفِي كَثِيرِهِ الْوَجْهَانِ قَالَ الرَّافِعِيُّ هَذَا مُقْتَضَى كَلَامِ الْأَكْثَرِينَ. وَالثَّانِي: وَهُوَ الْأَصَحُّ وَاخْتَارَهُ ابْنُ كَجٍّ وَالشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَسَائِرِ الْعِرَاقِيِّينَ أَنَّهُ كَدَمِ الْأَجْنَبِيِّ. فَأَمَّا دَمُ الِاسْتِحَاضَةِ وَمَا يَدُومُ غَالِبًا فَسَبَقَ حُكْمُهُ فِي بَابِ الْحَيْضِ وَأَمَّا مَاءُ الْقُرُوحِ فَسَبَقَ فِي بَابِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ أَنَّهُ إنْ تَغَيَّرَتْ رَائِحَتُهُ فَهُوَ نَجِسٌ وَإِلَّا فَطَرِيقَانِ أَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ طَاهِرٌ. وَالثَّانِي: عَلَى قَوْلَيْنِ. وَحَيْثُ نَجَّسْنَاهُ فَهُوَ كَالْبَثَرَاتِ، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَقَيْحُ الْأَجْنَبِيِّ وَصَدِيدُهُ وَسَائِرُ الْحَيَوَانِ كَدَمِ ذَلِكَ الْحَيَوَانِ. ثُمَّ الْجُمْهُورُ أَطْلَقُوا الْكَلَامَ فِي الدِّمَاءِ عَلَى مَا سَبَقَ، وَقَيَّدَ صَاحِبُ الْبَيَانِ الْخِلَافَ فِي الْعَفْوِ بِغَيْرِ دَمِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَمَا تَوَلَّدَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَا يُعْفَى عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ بِلَا خِلَافٍ قَالَ الْبَغَوِيّ وَحُكْمُ وَنِيمِ الذُّبَابِ وَبَوْلِ الْخُفَّاشِ حُكْمُ الدَّمِ لِتَعَذُّرِ الِاحْتِرَازِ.
فرع: قَالَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ وَغَيْرُهُ: لَوْ كَانَ فِي صَلَاةٍ فَأَصَابَهُ شَيْءٌ جَرَحَهُ وَخَرَجَ الدَّمُ يَدْفُقُ وَلَمْ يُلَوِّثْ الْبَشَرَةَ، أَوْ كَانَ التَّلْوِيثُ قَلِيلًا بِأَنْ خَرَجَ كَخُرُوجِ الْفَصْدِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ"جَابِرٍ رضي الله عنه فِي الرَّجُلَيْنِ1 اللَّذَيْنِ حَرَسَا لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَجُرِحَ أَحَدُهُمَا وَهُوَ. يُصَلِّي فَاسْتَمَرَّ فِي صَلَاتِهِ وَدِمَاؤُهُ تَسِيلُ؛ وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي بَابِ مَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، قَالُوا: وَلِأَنَّ الْمُنْفَصِلَ عَنْ الْبَشَرَةِ لَا يُضَافُ إلَيْهِ وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الدَّمِ مُتَّصِلًا بِبَعْضٍ، وَلِهَذَا لَوْ صَبَّ الْمَاءَ مِنْ أَبِرِيقٍ عَلَى نَجَاسَةٍ وَاتَّصَلَ طَرَفُ الْمَاءِ بِالنَّجَاسَةِ لَمْ يُحْكَمْ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ الَّذِي فِي الطَّرِيقِ. وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ مُتَّصِلًا بِبَعْضٍ."
فرع: فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الدِّمَاءِ: ذَكَرْنَا مَذْهَبَنَا، وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُعْفَى عَمَّا دُونَ نِصْفِ الثَّوْبِ وَلَا يُعْفَى عَنْ نِصْفِهِ، وَعَنْ أَحْمَدَ يُعْفَى عَمَّا دُونَ شِبْرٍ فِي شِبْرٍ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ النَّجَاسَةَ مِنْ الدَّمِ وَغَيْرِهِ إنْ كَانَتْ قَدْرَ دِرْهَمٍ بَغْلِيٍّ عُفِيَ عَنْهَا، وَيُعْفَى عَنْ أَكْثَرَ، وَعَنْ النَّخَعِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ يُعْفَى عَنْ قَدْرٍ دُونَ دِرْهَمٍ لَا عَنْ دِرْهَمٍ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الرجلان هما عباد بن بشر وعمار بن ياسر والذي جرح هو عباد بن بشر وقال: كنت في سورة الكهف فخشيت أن أقطعها (ط) .