ج / 3 ص -98- وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَعَامَّةُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ إزَالَتَهَا شَرْطٌ إلَّا مَالِكًا.
وَاحْتُجَّ لِمَالِكٍ بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ"بَيْنَمَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ إذْ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمُ ذَلِكَ أَلْقَوْا نِعَالَهُمْ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم صَلَاتَهُ قَالَ: مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إلْقَائِكُمْ نِعَالَكُمْ؟ قَالُوا: رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَيْكَ فَأَلْقَيْنَا نِعَالَنَا، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: إنَّ جِبْرِيلَ عليه السلام أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَقَالَ: هُوَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد خَبَثًا بَدَل قَذَرًا وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ قَذَرًا أَوْ أَذًى وَفِي رِوَايَةٍ دَمَ حَلَمَةٍ.
وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِقَوْلِ الله تَعَالَى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ ثِيَابَكَ الْمَلْبُوسَةَ وَأَنَّ مَعْنَاهُ طَهِّرْهَا مِنْ النَّجَاسَةِ، وَقَدْ قِيلَ فِي الْآيَةِ غَيْرُ هَذَا، لَكِنَّ الْأَرْجَحَ مَا ذَكَرْنَاهُ وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الْحَاوِي عَنْ الْفُقَهَاءِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ وَبِحَدِيثِ"تَنَزَّهُوا مِنْ الْبَوْلِ"وَهُوَ حَسَنٌ كَمَا سَبَقَ وَبِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم"إذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَسَبَقَ بَيَانُهُ، وَبِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ"مَرَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِقَبْرَيْنِ فَقَالَ: إنَّهُمَا يُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَنْزِهُ مِنْ بَوْلِهِ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَبِالْقِيَاسِ عَلَى طَهَارَةِ الْحَدَثِ وَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مِنْ وَجْهَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقَذَرَ هُوَ الشَّيْءُ الْمُسْتَقْذَرُ. كَالْمُخَاطِ وَالْبُصَاقِ وَالْمَنِيِّ وَالْبَوْلِ وَغَيْرِهِ فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ نَجِسًا.
الثَّانِي: لَعَلَّهُ كَانَ دَمًا يَسِيرًا، أَوْ شَيْئًا يَسِيرًا مِنْ طِينِ الشَّوَارِعِ، وَذَلِكَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ وَالله أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَالنَّجَاسَةُ ضَرْبَانِ: دِمَاءٌ وَغَيْرُ دِمَاءٍ، فَأَمَّا غَيْرُ الدِّمَاءِ فَيُنْظَرُ فِيهِ فَإِنْ كَانَ قَذَرًا يُدْرِكُهُ الطَّرَفُ لَمْ يُعْفَ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَشُقُّ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ قَذَرًا لَا يُدْرِكُهُ الطَّرَفُ فَفِيهِ ثَلَاثُ طُرُقٍ أَحَدُهَا: أَنَّهُ يُعْفَى عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُدْرَكُ بِالطَّرَفِ فَعُفِيَ عَنْهُ كَغُبَارِ السِّرْجِينِ وَالثَّانِي: لَا يُعْفَى عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ نَجَاسَةٌ لَا يَشُقُّ الِاحْتِرَازُ مِنْهَا فَلَمْ يُعْفَ عَنْهَا كَاَلَّذِي يُدْرِكُهُ الطَّرَفُ وَالثَّالِثُ: عَلَى قَوْلَيْنِ، أَحَدُهُمَا: يُعْفَى عَنْهُ وَالثَّانِي: لَا يُعْفَى وَوَجْهُ الْقَوْلَيْنِ مَا ذَكَرْنَا.
الشرح: هَاتَانِ الْمَسْأَلَتَانِ كَمَا ذَكَرَ ، وَأَصَحُّ الطُّرُقِ أَنَّهُ يُعْفَى عَنْهُ ، وَقَدْ سَبَقَ فِي بَابِ الْمِيَاهِ أَنَّ فِي مَسْأَلَةِ مَا لَا يُدْرِكُهُ الطَّرَفُ سَبْعَ طُرُقٍ فِي الْمَاءِ وَالثَّوْبِ وَالْأَصَحُّ يُعْفَى فِيهِمَا ، وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ يَقْتَضِي أَنَّ وَنِيمَ1 الذُّبَابِ لَا يُعْفَى عَنْهُ بِلَا خِلَافٍ إذَا أَدْرَكَهُ الطَّرَفُ ، وَقَدْ ذَكَرَ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ أَنَّ لَهُ حُكْمَ دَمِ الْبَرَاغِيثِ؛ لِأَنَّهُ تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى وَيَشُقُّ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ كَدَمِ الْبَرَاغِيثِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَأَمَّا الدِّمَاءُ فَيُنْظَرُ فِيهَا فَإِنْ كَانَ دَمَ الْقَمْلِ وَالْبَرَاغِيثِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا فَإِنَّهُ يُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَشُقُّ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ ، فَلَوْ لَمْ يُعْفَ عَنْهُ شَقَّ وَضَاقَ ، وَقَدْ قَالَ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ونيم خرؤه أو بويضاته التي يتركها على الأشياء التي ينجمع عليها وفعله ونم كوعد ونما وونيما (ط) .