فهرس الكتاب

الصفحة 880 من 4102

ج / 3 ص -8- لِأَنَّ زَمَنَ الصِّغَرِ يَطُولُ فَلَوْ أَوْجَبْنَا الْقَضَاءَ شَقَّ فَعُفِيَ عَنْهُ.

الشرح: هَذَا الْحَدِيثُ صَحِيحٌ رَوَاهُ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَلِيٌّ وَعَائِشَةُ رضي الله عنهما، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ مِنْ"سُنَنِهِمَا"مِنْ رِوَايَةِ عَلِيٍّ بِإِسْنَادٍ1 صَحِيحٍ وَرَوَيَاهُ هُمَا وَابْنُ مَاجَهْ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ مِنْ رِوَايَةِ عَائِشَةَ، وَقَدْ كَرَّرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْ الْمُهَذَّبِ، وَقَلَّ أَنْ يَذْكُرَ رَاوِيَهُ وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ السِّيَرِ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيٍّ رضي الله عنه، وَأَمَّا الْمَسْأَلَتَانِ اللَّتَانِ ذَكَرَهُمَا وَهُمَا أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَجِبُ عَلَى صَبِيٍّ وَلَا صَبِيَّةٍ وَلَا يَلْزَمُهُمَا قَضَاؤُهَا بَعْدَ الْبُلُوغِ فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا لِمَا ذَكَرَهُ، وَيُقَالُ: زَمَنٌ وَزَمَانٌ لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الصَّبِيَّ لَا تَكْلِيفَ عَلَيْهِ وَلَا يَأْثَمُ بِفِعْلِ شَيْءٍ لَكِنْ يَجِبُ عَلَى وَلِيِّهِ أَدَاءُ الزَّكَاةِ، وَنَفَقَةُ الْقَرِيبِ مِنْ مَالِهِ، وَكَذَا غَرَامَةُ إتْلَافِهِ وَنَحْوُهَا وَالله أَعْلَمُ.

قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَأَمَّا مَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِجُنُونٍ أَوْ إغْمَاءٍ أَوْ مَرَضٍ فَلَا عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم"رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ"فَنَصَّ عَلَى الْمَجْنُونِ وَقِسْنَا عَلَيْهِ كُلَّ مَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِسَبَبٍ مُبَاحٍ. وَإِنْ زَالَ عَقْلُهُ بِمُحَرَّمٍ كَمَنْ شَرِبَ الْمُسْكِرَ أَوْ تَنَاوَلَ دَوَاءً مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ فَزَالَ عَقْلُهُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ إذَا أَفَاقَ؛ لِأَنَّهُ زَالَ عَقْلُهُ بِمُحَرَّمٍ فَلَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْفَرْضُ.

الشرح: مَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِسَبَبٍ غَيْرِ مُحَرَّمٍ، كَمَنْ جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَوْ زَالَ عَقْلُهُ بِمَرَضٍ أَوْ بِشُرْبِ دَوَاءٍ لِحَاجَةٍ أَوْ أُكْرِهَ عَلَى شُرْبِ مُسْكِرٍ فَزَالَ عَقْلُهُ فَلَا صَلَاةَ عَلَيْهِ، وَإِذَا أَفَاقَ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، بِلَا خِلَافٍ لِلْحَدِيثِ، سَوَاءٌ قَلَّ زَمَنُ الْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ أَوْ كَثُرَ. هَذَا مَذْهَبُنَا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رحمه الله: إنْ كَانَ الْإِغْمَاءُ دُونَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَزِمَهُ قَضَاءُ مَا فَاتَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ فَلَا، وَنَقَلَ ابْنُ حَزْمٍ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَعَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَقَتَادَةَ أَنَّ الْمُغْمَى عَلَيْهِ يَقْضِي، دَلِيلُنَا الْقِيَاسُ عَلَى الْمَجْنُونِ وَعَلَى مَا فَوْقَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، أَمَّا إذَا زَالَ عَقْلُهُ بِمُحَرَّمٍ بِأَنْ شَرِبَ الْمُسْكِرَ عَمْدًا عَالِمًا بِهِ مُخْتَارًا، أَوْ شَرِبَ دَوَاءً لِغَيْرِ حَاجَةٍ، وَهُوَ مِمَّا يَزُولُ بِهِ الْعَقْلُ، فَزَالَ عَقْلُهُ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ فِي ذَلِكَ الْحَالِ، فَإِذَا عَادَ عَقْلُهُ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ. قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله فِي الْأُمِّ: أَقَلُّ السُّكْرِ أَنْ يَذْهَبَ عَنْهُ لِغَلَبَتِهِ بَعْضُ مَا لَمْ يَكُنْ يَذْهَبُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ:"السَّكْرَانُ مَنْ اخْتَلَّ كَلَامُهُ الْمَنْظُومُ، وَبَاحَ بِسِرِّهِ الْمَكْتُومِ"وَقَالَ أَصْحَابُنَا: هُوَ أَنْ تَخْتَلَّ أَحْوَالُهُ فَلَا تَنْتَظِمَ أَفْعَالُهُ وَأَقْوَالُهُ، وَإِنْ كَانَ لَهُ بَقِيَّةُ تَمْيِيزٍ وَفَهْمِ كَلَامٍ، فَأَمَّا مَنْ حَصَلَ لَهُ بِشُرْبِ الْخَمْرِ نَشَاطٌ وَهِزَّةٌ لِدَبِيبِ الْخَمْرِ وَلَكِنْ لَمْ يَسْتَوْلِ عَلَيْهِ بَعْدُ وَلَمْ يَخْتَلَّ شَيْءٌ مِنْ عَقْلِهِ فَهُوَ فِي حُكْمِ الصَّاحِي، فَتَصِحُّ صَلَاتُهُ فِي هَذِهِ الْحَالِ وَجَمِيعُ تَصَرُّفَاتِهِ بِلَا خِلَافٍ وَلَا يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ، وَقَدْ سَبَقَ هَذَا فِي بَابِ مَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَسَنُعِيدُ إيضَاحَهَا فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ وَحَيْثُ بَسَطَهُ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

فرع: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْجُنُونَ وَالْإِغْمَاءَ وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا مِمَّا يُزِيلُ الْعَقْلَ بِغَيْرِ مَعْصِيَةٍ يَمْنَعُ وُجُوبَ الصَّلَاةِ وَلَا إعَادَةَ سَوَاءٌ كَثُرَ زَمَنُ الْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ وَنَحْوِهِمَا أَمْ قَلَّ، حَتَّى لَوْ كَانَ لَحْظَةً أَسْقَطَ فَرْضَ الصَّلَاةِ. وَيُتَصَوَّرُ إسْقَاطُ الْفَرْضِ بِجُنُونِ لَحْظَةٍ وَإِغْمَاءِ لَحْظَةٍ فِيمَا إذَا بَلَغَ مَجْنُونًا وَقَدْ بَقِيَ مِنْ وَقْتِ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 قد أعدت تخرجه مستقضي في البيوع وغيرها من تكملتنا (ط) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت