ج / 1 ص -70- وَمِنْهَا وَهُوَ مِنْ أَهَمِّهَا: أَنْ لَا يَذِلَّ الْعِلْمَ، وَلَا يَذْهَبَ بِهِ إلَى مَكَان يَنْتَسِبُ إلَى مَنْ يَتَعَلَّمُهُ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ الْمُتَعَلِّمُ كَبِيرَ الْقَدْرِ، بَلْ يَصُونُ الْعِلْمَ عَنْ ذَلِكَ كَمَا صَانَهُ السَّلَفُ، وَأَخْبَارُهُمْ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ مَعَ الْخُلَفَاءِ وَغَيْرِهِمْ. فَإِنْ دَعَتْ إلَيْهِ ضَرُورَةٌ أَوْ اقْتَضَتْ مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ عَلَى مَفْسَدَةِ ابْتِذَالِهِ، رَجَوْنَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ مَا دَامَتْ الْحَالَةُ هَذِهِ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَا جَاءَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ فِي هَذَا.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ إذَا فَعَلَ فِعْلًا صَحِيحًا جَائِزًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَلَكِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ حَرَامٌ أَوْ مَكْرُوهٌ، أَوْ مُخِلٌّ بِالْمُرُوءَةِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُخْبِرَ أَصْحَابَهُ وَمَنْ يَرَاهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِحَقِيقَةِ ذَلِكَ الْفِعْلِ لِيَنْتَفِعُوا؛ وَلِئَلَّا يَأْثَمُوا بِظَنِّهِمْ الْبَاطِلَ؛ وَلِئَلَّا يَنْفِرُوا عَنْهُ وَيَمْتَنِعَ الِانْتِفَاعُ بِعِلْمِهِ، وَمِنْ هَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ:"إنَّهَا صَفِيَّةُ1".
فصل:
وَمِنْ آدَابِهِ فِي دَرْسِهِ وَاشْتِغَالِهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَزَالَ مُجْتَهِدًا فِي الِاشْتِغَالِ بِالْعِلْمِ قِرَاءَةً وَإِقْرَاءً، وَمُطَالَعَةً وَتَعْلِيقًا، وَمُبَاحَثَةً وَمُذَاكَرَةً وَتَصْنِيفًا، وَلَا يَسْتَنْكِفُ مِنْ التَّعَلُّمِ مِمَّنْ هُوَ دُونَهُ فِي سِنٍّ أَوْ نَسَبٍ أَوْ شُهْرَةٍ أَوْ دِينٍ، أَوْ فِي عِلْمٍ آخَرَ، بَلْ يَحْرِصُ عَلَى الْفَائِدَةِ مِمَّنْ كَانَتْ عِنْدَهُ، وَإِنْ كَانَ دُونَهُ فِي جَمِيعِ هَذَا، وَلَا يَسْتَحِي مِنْ السُّؤَالِ عَمَّا لَمْ يَعْلَمْ، فَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ رضي الله عنهما قَالَا:"مَنْ رَقَّ وَجْهُهُ رَقَّ عِلْمُهُ". وَعَنْ مُجَاهِدٍ لَا يَتَعَلَّمُ الْعِلْمَ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 قلت الذي أخرجه البخاري من طريق الزهري عن على بن الحسن رضي الله عنه أن صفية زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته أنها جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوره في اعتكافه في المسجد في العشر الأواخر من رمضان فتحدثت عنده ساعة ، ثم قامت تنقلب ، فقام النبي صلى الله عليه وسلم معها يقلبها حتى إذا بلغت باب المسجد عند باب أم سلمة إذ مر رجلان من الأنصار فسلما على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم"على رسلكما ، إنما هي صفية بنت حيي"فقالا: سبحان الله يارسول الله وكبر عليهما فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الشيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدم وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا""