فهرس الكتاب

الصفحة 422 من 4102

ج / 1 ص -290- الْمسألة:الثَّالِثَةُ إذَا احْتَاجَ إلَى وَضْعِ جَبِيرَةٍ عَلَى رِجْلَيْهِ فَوَضَعَهَا ثُمَّ لَبِسَ فَوْقَهَا الْخُفَّ، فَفِي جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَيْهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ فِي الْفُرُوقِ لِأَنَّهُ خُفٌّ صَحِيحٌ، وَالْجَبِيرَةُ كَلِفَافَةٍ، وَحُكِيَ هَذَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه وَأَصَحُّهُمَا: لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ مَلْبُوسٌ فَوْقَ مَمْسُوحٍ فَأَشْبَهَ الْعِمَامَةَ، وَمِمَّنْ صَحَّحَ الْمَنْعَ صَاحِبَا الْعُدَّةِ وَالْبَيَانِ وَنَقَلَ الرُّويَانِيُّ عَنْ الْعِرَاقِيِّينَ أَنَّهُ كَالْجُرْمُوقِ فَوْقَ الْخُفِّ.

الرابعة قَالَ الْبَغَوِيّ: وَلَوْ لَبِسَ خُفًّا ذَا طَاقَيْنِ غَيْرِ مُلْتَصِقَيْنِ فَمَسَحَ عَلَى الطَّاقِ الْأَعْلَى فَهُوَ كَمَسْحِ الْجُرْمُوقِ، وَإِنْ مَسَحَ الْأَسْفَلَ فَكَمَسْحِ الْخُفِّ تَحْتَ الْجُرْمُوقِ، قَالَ: وَعِنْدِي أَنَّهُ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْأَعْلَى وَلَا يَجُوزُ عَلَى الْأَسْفَلِ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ خُفٌّ وَاحِدٌ فَمَسْحُ الْأَسْفَلِ كَمَسْحِ بَاطِنِ الْخُفِّ.

الخامسة: فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الْجُرْمُوقَيْنِ: قَدْ سَبَقَ أَنَّ مَذْهَبَنَا الْجَدِيدَ الْأَظْهَرَ مَنْعُ الْمَسْحِ عَلَى الْجُرْمُوقَيْنِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ رضي الله عنه وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَأَحْمَدُ وَدَاوُد وَالْمُزَنِيُّ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ: يَجُوزُ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: هُوَ قَوْلُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً، وَقَالَ الْمُزَنِيّ فِي مُخْتَصَرِهِ: لَا أَعْلَمُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي جَوَازِهِ خِلَافًا. وَاحْتَجَّ الْمُجَوِّزُونَ بِحَدِيثِ بِلَالٍ رضي الله عنه"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَمْسَحُ عَلَى عِمَامَتِهِ وَمُوقَيْهِ". وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا عَنْهُ بِأَنَّ الْمُوقَ هُوَ الْخُفُّ لَا الْجُرْمُوقُ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَعْرُوفُ فِي كُتُبِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَغَرِيبِهِ، وَهَذَا مُتَعَيَّنٌ لِأَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ اسْمُهُ عِنْدَ أَهْلِ اللِّسَانِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ لَهُ جُرْمُوقَانِ مَعَ أَنَّهُمْ نَقَلُوا جَمِيعَ آلَاتِهِ صلى الله عليه وسلم. وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْحِجَازَ لَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى الْجُرْمُوقَيْنِ فَيَبْعُدُ لُبْسُهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

فرع: ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي هَذِهِ الْمسألة:الشَّيْخَ أَبَا حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ وَالْقَاضِي أَبَا الطَّيِّبِ الطَّبَرِيَّ وَهُمَا أَجَلُّ مُصَنِّفِي الْعِرَاقِيِّينَ، وَقَدْ بَسَطْتُ أَحْوَالَهُمَا بَعْضَ الْبَسْطِ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَفِي كِتَابِ الطَّبَقَاتِ، وَأُنَبِّهُ هُنَا عَلَى رُمُوزٍ مِنْ ذَلِكَ، فَأَمَّا أَبُو حَامِدٍ فَهُوَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ شَيْخُ الْأَصْحَابِ، وَعَلَيْهِ وَعَلَى تَعْلِيقِهِ مُعَوَّلُ جُمْهُورِ الْأَصْحَابِ، انْتَهَتْ إلَيْهِ رِيَاسَةُ بَغْدَادَ وَإِمَامَتُهَا، وَكَانَ أَوْحَدَ أَهْلِ عَصْرِهِ، قَالَ الْخَطِيبُ أَبُو بَكْرٍ الْبَغْدَادِيُّ الْحَافِظُ: كَانَ يَحْضُرُ دَرْسَهُ سَبْعُمِائَةِ مُتَفَقِّهٍ، قَالَ غَيْرُهُ: أَفْتَى وَهُوَ ابْنُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً. وَقَدْ تَأَوَّلَ بَعْضُهُمْ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم:"إنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا"، فَكَانَ فِي الْمِائَةِ الْأُولَى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالثَّانِيَةِ الشَّافِعِيُّ، وَالثَّالِثَةِ ابْنُ سُرَيْجٍ، وَالرَّابِعَةِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ هَذَا رحمه الله، تُوُفِّيَ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ سِتٍّ وَأَرْبَعِمِائَةٍ رحمه الله تعالى.

وَأَمَّا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فَهُوَ طَاهِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرِ بْنِ عُمَرَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَبَرِسْتَانَ الْإِمَامُ الْجَامِعُ لِلْفُنُونِ الْمُعَمِّرُ، بَدَأَ بِالِاشْتِغَالِ بِالْعِلْمِ وَلَهُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يُخِلَّ بِدَرْسِهِ يَوْمًا وَاحِدًا إلَى أَنْ مَاتَ وَهُوَ ابْنُ مِائَةِ سَنَةٍ وَسَنَتَيْنِ وُلِدَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ وَتُوُفِّيَ عَصْرَ السَّبْتِ وَدُفِنَ يَوْمَ الْأَحَدِ الْعِشْرِينَ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ خَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَلَهُ مُصَنَّفَاتٌ كَثِيرَةٌ نَفِيسَةٌ فِي فُنُونِ الْعِلْمِ وَمِنْ أَحْسَنِهَا تَعْلِيقُهُ فِي الْمَذْهَبِ، وَلَمْ أَرَ لِأَصْحَابِهَا أَحْسَنَ مِنْهُ فِي أُسْلُوبِهِ وَلَهُ الْمُجَرَّدُ فِي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت