ج / 1 ص -287- وَإِلْحَاقُهُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ بِالْقُفَّازَيْنِ أَوْلَى مِنْ إلْحَاقِهِ بِالْجَبِيرَةِ الَّتِي هِيَ مِنْ بَابِ الضَّرُورَاتِ، فَإِذَا لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَى الْقُفَّازَيْنِ فِي شِدَّةِ الْبَرْدِ فِي الْمَوَاضِعِ الْبَارِدَةِ فَكَذَا الْجُرْمُوقُ الَّذِي لَا يَعْسُرُ إدْخَالُ الْيَدِ تَحْتَهُ وَمَسْحُ الْخُفِّ.
قَالَ: وَإِنَّمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"رُخْصَةٌ عَامَّةٌ لِيُتِمَّ الْقِيَاسَ عَلَى الْجَبِيرَةِ فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ: فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ رُخْصَةٌ كَالْجَبِيرَةِ لَمْ يَسْتَقِمْ، فَإِنَّ الْجَبِيرَةَ تَتَعَلَّقُ بِهَا رُخْصَةٌ وَهِيَ الْخَاصَّةُ فِي حَقِّ الْكَسِيرِ، فَإِذَا ثَبَتَ لَهُ انْتِفَاءُ الرُّخْصَةِ الْعَامَّةِ ثَبَتَ مَحَلُّ النِّزَاعِ، هَذَا كَلَامُ الشَّيْخِ أَبِي عَمْرٍو، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ اخْتَارَ أَنَّ قَوْلَهُ"رُخْصَةٌ عَامَّةٌ"لَيْسَ لِلِاحْتِرَازِ مِنْ تَعَلُّقِ رُخْصَةٍ خَاصَّةٍ بِهِ بَلْ هُوَ لِتَقْرِيبِ الشَّبَهِ مِنْ الْجَبِيرَةِ الْمَقِيسِ عَلَيْهَا، وَأَنَّ الْقَوْلَيْنِ فِي جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْجُرْمُوقِ يَجْرِيَانِ فِي شِدَّةِ الْبَرْدِ وَغَيْرِهَا، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الْأَصْحَابِ، وَالْأَصَحُّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجُرْمُوقِ وَوَافَقَهُمْ عَلَيْهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَخَالَفَهُمْ فِي كِتَابِهِ شَرْحِ فُرُوقِ ابْنِ الْحَدَّادِ فَصَحَّ الْجَوَازُ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ."
وَشَرْطُ مسألة:الْقَوْلَيْنِ أَنْ يَكُونَ الْخُفَّانِ وَالْجُرْمُوقَانِ صَحِيحَيْنِ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ لَوْ انْفَرَدَ كَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، فَأَمَّا إنْ كَانَ الْأَعْلَى صَحِيحًا وَالْأَسْفَلُ مُخَرَّقًا فَيَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْأَعْلَى قَوْلًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ الْأَسْفَلَ فِي حُكْمِ اللِّفَافَةِ، هَكَذَا قَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ فِي كُلِّ الطُّرُقِ وَصَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ، وَشَذَّ الدَّارِمِيُّ فَحَكَى فِيهِ طَرِيقَيْنِ الْمَنْصُوصُ مِنْهُمَا هَذَا. وَالثَّانِي: أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَإِنْ كَانَ الْأَعْلَى مُخَرَّقًا وَالْأَسْفَلُ صَحِيحًا لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَى الْأَعْلَى وَيَجُوزُ عَلَى الْأَسْفَلِ قَوْلًا وَاحِدًا، وَيَكُونُ الْأَعْلَى فِي مَعْنَى خِرْقَةٍ لَفَّهَا فَوْقَ الْخُفِّ. فَلَوْ مَسَحَ عَلَى الْأَعْلَى فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَوَصَلَ الْبَلَلُ إلَى الْأَسْفَلِ فَإِنْ قَصَدَ مَسْحَ الْأَسْفَلِ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ قَصَدَ مَسْحَ الْأَعْلَى لَمْ يُجْزِئْهُ، وَإِنْ قَصَدَهُمَا أَجْزَأَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَفِيهِ وَجْهٌ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ. وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ وَاحِدًا مِنْهُمَا بَلْ قَصَدَ أَصْلَ الْمَسْحِ فَوَجْهَانِ قَالَ الرَّافِعِيُّ: أَصَحُّهُمَا الْجَوَازُ، لِأَنَّهُ قَصَدَ إسْقَاطَ فَرْضِ الرِّجْلِ بِالْمَسْحِ وَقَدْ وَصَلَ الْمَاءُ إلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِذَا جَوَّزْنَا الْمَسْحَ عَلَى الْجُرْمُوقَيْنِ فَلَبِسَ فَوْقَهُمَا ثَانِيًا وَثَالِثًا جَازَ الْمَسْحُ عَلَى الْأَعْلَى، صَرَّحَ بِهِ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ الْقَاصِّ فِي التَّلْخِيصِ وَالدَّارِمِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ، قَالَ الْبَغَوِيّ: فَإِنْ كَانَتْ كُلُّهَا مُخَرَّقَةً إلَّا الْأَعْلَى جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ بِلَا خِلَافٍ وَكَانَ مَا تَحْتَهُ كَاللِّفَافَةِ، وَإِذَا قُلْنَا: لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجُرْمُوقِ فَأَدْخَلَ يَدَهُ تَحْتَهُ وَمَسَحَ الْأَسْفَلَ فَفِي جَوَازِهِ الْوَجْهَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ وَهُمَا مَشْهُورَانِ الصَّحِيحُ مِنْهُمَا الْجَوَازُ، كَمَا لَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ تَحْتَ الْعِمَامَةِ وَمَسَحَ الرَّأْسَ، وَكَمَا لَوْ أَدْخَلَ الْمَاءَ فِي الْخُفِّ وَغَسَلَ الرِّجْلَ، مِمَّنْ صَحَّحَهُ صَاحِبَا"الحاوي"وَالتَّتِمَّةِ وَالرُّويَانِيُّ وَقَطَعَ بِهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَالْبَغَوِيُّ. قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي: وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا وَقَطَعَ الْمَحَامِلِيُّ بِالْوَجْهِ الْآخَرِ. ثُمَّ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَالْأَصْحَابِ أَنَّ الْوَجْهَ الْقَائِلَ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ هُوَ قَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ: تَخْرِيجٌ لَهُ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، بَلْ قَدْ نَقَلَهُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ عَنْ الْأَصْحَابِ لَا يُجْزِيهِ الْمَسْحُ عَلَى الْأَسْفَلِ، وَتَمَسَّكَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ بِظَاهِرِ نَصِّ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه فِي"الأم"فَإِنَّهُ قَالَ: لَوْ لَبِسَ