ج / 1 ص -263- الْحَافِظُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ فِي كِتَابِهِ كِتَابِ الْإِجْمَاعِ1 هَذَا الْمَذْهَبَ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ: وَرَوَيْنَا عَنْ إبْرَاهِيمَ يَعْنِي النَّخَعِيّ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِ صَلَوَاتٍ، وَحَكَى الطَّحَاوِيُّ عَنْ قَوْمٍ أَنَّهُ يَجُوزُ جَمْعُ صَلَوَاتٍ بِوُضُوءٍ لِلْمُسَافِرِ دُونَ الْحَاضِرِ.
وَاحْتَجَّ مَنْ أَوْجَبَهُ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة:6] الْآيَةَ، وَدَلِيلُنَا حَدِيثُ بُرَيْدَةَ رضي الله عنه: أَنَّ"النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَلَّى الصَّلَوَاتِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ وَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه: لَقَدْ صَنَعْتَ الْيَوْمَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَصْنَعُهُ فَقَالَ: عَمْدًا صَنَعْتُهُ يَا عُمَرُ"رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَعَنْ سُوَيْد بْنِ النُّعْمَانِ رضي الله عنه:"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلَّى الْعَصْرَ ثُمَّ أَكَلَ سَوِيقًا ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي مَوَاضِعَ مِنْ صَحِيحِهِ. وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ:"كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ قُلْتُ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ ؟ قَالَ: يُجْزِي أَحَدَنَا الْوُضُوءُ مَا لَمْ يُحْدِثْ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ:"ذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلَى امْرَأَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ وَمَعَهُ أَصْحَابُهُ فَقَدَّمَتْ لَهُ شَاةً مَصْلِيَّةً فَأَكَلَ وَأَكَلْنَا ثُمَّ حَانَتْ الظُّهْرُ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى ثُمَّ رَجَعَ إلَى فَضْلِ طَعَامِهِ فَأَكَلَ، ثُمَّ حَانَتْ الْعَصْرُ فصل:ى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ"رَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ. وَفِي"الصحيحين"أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مِنْ هَذَا كَحَدِيثِ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِعَرَفَةَ وَبِمُزْدَلِفَةَ، وَفِي سَائِرِ الْأَسْفَارِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَوَاتِ الْفَائِتَاتِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَغَيْرُ ذَلِكَ.
وَأَمَّا الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ فَمَعْنَاهَا إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ مُحْدِثِينَ، وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْ مُحْدِثِينَ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ، وَبَيَّنَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ذَلِكَ بِفِعْلِهِ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَبِتَقْرِيرِهِ أَصْحَابَهُ عَلَى ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
أَمَّا الْمُسْتَحَاضَةُ وَسَلِسُ الْبَوْلِ وَالْمَذْيِ وَغَيْرُهُمَا مِمَّنْ بِهِ حَدَثٌ دَائِمٌ فَإِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُهُمْ اسْتَبَاحَ فَرِيضَةً وَاحِدَةً وَمَا شَاءَ مِنْ النَّوَافِلِ، وَلَا يُبَاحُ لَهُ غَيْرُ فَرِيضَةٍ كَمَا سَيَأْتِي إيضَاحُهُ فِي كِتَابِ الْحَيْضِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ. وَهَلْ يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ بِالْوُضُوءِ ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ، الْمَذْهَبُ لَا يَرْتَفِعُ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ. وَقَالَ الْقَفَّالُ: فِيهِ قَوْلَانِ، قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالشَّاشِيُّ وَغَيْرُهُمَا: هَذَا الَّذِي قَالَهُ الْقَفَّالُ غَلَطٌ وَكَيْفَ يَرْتَفِعُ الْحَدَثُ مَعَ جَرَيَانِهِ دَائِمًا ؟ ذَكَرُوا الْمسألة:فِي بَابِ مَسْحِ الْخُفِّ وَسَنُنَبِّهُ عَلَيْهَا هُنَاكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: إذَا أَحْدَثَ أَحْدَاثًا مُتَّفِقَةً أَوْ مُخْتَلِفَةً كَفَاهُ وُضُوءٌ وَاحِدٌ بِ"الإجماع"وَكَذَا لَوْ أَجْنَبَ مَرَّاتٍ بِجِمَاعِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ نِسْوَةٍ أَوْ احْتِلَامٍ أَوْ بِ"المجموع"كَفَاهُ غُسْلٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْجِمَاعُ مُبَاحًا أَوْ زِنًا، وَمِمَّنْ نَقَلَ"الإجماع"فِيهِ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: يُسْتَحَبُّ الْمُحَافَظَةُ عَلَى الدَّوَامِ عَلَى الطَّهَارَةِ وَعَلَى الْمَبِيتِ عَلَى طَهَارَةٍ وَفِيهِمَا أَحَادِيثُ مَشْهُورَةٌ، وَقَدْ ذَكَرَ الْمَحَامِلِيُّ فِي اللُّبَابِ أَنْوَاعَ الْوُضُوءِ الْمَسْنُونِ فَجَعَلَهَا عَشَرَةً وَزَادَ فِيهَا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 اسم الكتاب "مراتب"الإجماع" (ط) "