ج / 1 ص -251- هُوَ الْمَذْهَبُ الْمُعْتَدُّ بِهِ، وَحُكْمُ الْجَنَابَةِ عَلَى الْجُمْلَةِ أَغْلَبُ وَهُوَ بِأَنْ يُسْتَتْبَعَ أَوْلَى. قَالَ: فَلَوْ نَسِيَ حُكْمَ الْجَنَابَةِ فِي رِجْلَيْهِ وَنَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ: تَرْتَفِعُ الْجَنَابَةُ عَنْ رِجْلَيْهِ عَلَى الْمَذْهَبِ لِأَنَّ أَعْيَانَ الْأَحْدَاثِ لَا أَثَرَ لَهَا فَلَا يَضُرُّ الْغَلَطُ فِيهَا، وَحَكَى وَجْهًا أَنَّ الْجَنَابَةَ لَا تَرْتَفِعُ فِيهِمَا لِأَنَّهَا أَغْلَظُ مِنْ الْحَدَثِ، قَالَ الْإِمَامُ: هَذَا ضَعِيفٌ مُزَيَّفٌ، وَلَوْ غَسَلَ كُلَّ الْبَدَنِ إلَّا يَدَيْهِ ثُمَّ أَحْدَثَ فَلَا تَرْتِيبَ فِي يَدَيْهِ عَلَى الْمَذْهَبِ كَمَا سَبَقَ فَلَهُ غَسْلُهُمَا مَتَى شَاءَ، وَيَجِبُ التَّرْتِيبُ فِي الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ وَالرِّجْلَيْنِ، وَكَذَا الْحُكْمُ فِي تَرْكِ الْوَجْهِ أَوْ الرَّأْسِ أَوْ تَرْكِ عُضْوَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: هَذِهِ الْمسألة تُلْقَى فِي الْمُعَايَاةِ عَلَى أَوْجُهٍ فَيُقَالُ: وُضُوءٌ لَمْ يَجِبْ فِيهِ غَسْلُ الْقَدَمَيْنِ مَعَ وُجُودِهِمَا مَكْشُوفَتَيْنِ بِلَا عِلَّةٍ فِيهِمَا وَهَذِهِ صُورَتُهُ كَمَا سَبَقَ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَيُقَالُ مُحْدِثٌ اقْتَضَى حَدَثُهُ طَهَارَةَ بَعْضِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ دُونَ بَعْضٍ مَعَ سَلَامَتِهَا، قَالَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ: وَيُقَالُ وُضُوءٌ سَقَطَ فِيهِ التَّرْتِيبُ فَإِنَّهُ يَبْدَأُ بِرِجْلَيْهِ، لَكِنْ نَقَلَ صَاحِبُ الْعُدَّةِ عَنْ الْأَصْحَابِ أَنَّهُمْ غَلَّطُوهُ وَقَالُوا: لَيْسَ هَذَا وُضُوءًا بِلَا تَرْتِيبٍ بَلْ لَمْ يَجِبْ فِيهِ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ، وَإِنْكَارُ الْأَصْحَابِ إنْكَارٌ صَحِيحٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَيُوَالِي بَيْنَ أَعْضَائِهِ فَإِنْ فَرَّقَ تَفْرِيقًا يَسِيرًا لَمْ يَضُرَّ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ1 تَفْرِيقًا كَثِيرًا وَهُوَ بِقَدْرِ مَا يَجِفُّ الْمَاءُ عَلَى الْعُضْوِ فِي زَمَانٍ مُعْتَدِلٍ فَفِيهِ قَوْلَانِ، قَالَ فِي الْقَدِيمِ: لَا يُجْزِيهِ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ يُبْطِلُهَا الْحَدَثُ فَأَبْطَلَهَا التَّفْرِيقُ كَالصَّلَاةِ، وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ: يُجْزِيهِ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ لَا يُبْطِلُهَا التَّفْرِيقُ الْقَلِيلُ فَلَا يُبْطِلُهَا التَّفْرِيقُ الْكَثِيرُ كَتَفْرِقَةِ الزَّكَاةِ، فَإِذَا قُلْنَا: إنَّهُ يَجُوزُ فَهَلْ يَلْزَمُهُ اسْتِئْنَافُ النِّيَّةِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ أحدهما: يَلْزَمُهُ لِأَنَّهَا انْقَطَعَتْ بِطُولِ الزَّمَان والثاني: لَا يَسْتَأْنِفُ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْطَعْ حُكْمَ النِّيَّةِ فَلَمْ يَلْزَمْهُ الِاسْتِئْنَافُ".
الشرح:قَوْلُهُ:"عِبَادَةٌ يُبْطِلُهَا الْحَدَثُ"فِيهِ احْتِرَازٌ مِنْ الْحَجِّ وَالزَّكَاةِ، وَقَوْلُهُ:"عِبَادَةٌ لَا يُبْطِلُهَا التَّفْرِيقُ الْقَلِيلُ"احْتِرَازٌ مِنْ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يُبْطِلُهَا التَّفْرِيقُ الْيَسِيرُ كَمَا يُبْطِلُهَا الْكَثِيرُ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ: تَفْرِيقُ الصَّلَاةِ هُوَ الْخُرُوجُ مِنْهَا، وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: ذَكَرَ الْأَئِمَّةُ أَنَّ الْمُوَالَاةَ شَرْطٌ فِي الصَّلَاةِ وَلَا يَبِينُ ذَلِكَ إلَّا فِي تَطْوِيلِ الِاعْتِدَالِ وَالْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ قَصْدًا، فَتَفْرِيقُ الصَّلَاةِ هُوَ تَطْوِيلُ رُكْنٍ قَصِيرٍ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ: التَّفْرِيقُ الْمُبْطِلُ لِلصَّلَاةِ هُوَ أَنْ يُسَلِّمَ نَاسِيًا وَعَلَيْهِ رَكْعَةٌ مَثَلًا وَيَذْكُرَ بَعْدَ طُولِ الْفصل: فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِلَا خِلَافٍ، وَلَا سَبَبَ لِبُطْلَانِهَا إلَّا التَّفْرِيقُ بَيْنَ أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ بَعْدَ السَّلَامِ غَيْرُ مُصَلٍّ، وَإِنَّمَا لَمْ يَبْطُلْ إذَا لَمْ يَطُلْ الْفصل: لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الصَّلَاةِ فَهُوَ فِي مَحَلِّ الْعَفْوِ كَمَا عُفِيَ عَنْ الْفِعْلِ الْقَلِيلِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الصَّلَاةِ. وَيُقَالُ: زَمَانٌ وَزَمَنٌ لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ. وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ رحمه الله: لَا يُبْطِلُهَا التَّفْرِيقُ الْقَلِيلُ إلَى آخِرِهِ يُنْتَقَضُ بِالْأَذَانِ فَإِنَّهُ يُبْطِلُهُ التَّفْرِيقُ الْفَاحِشُ دُونَ الْقَلِيلِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 نسخة الركبي (وإن كان تفريقا ) (ط)