ج / 1 ص -209- الْكَثَافَةَ لَا تَأْثِيرَ لَهَا فَهِيَ كَالْمَعْدُومَةِ .
فَرْعٌ: قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: لَوْ نَبَتَتْ لِلْمَرْأَةِ لِحْيَةٌ اُسْتُحِبَّ لَهَا نَتْفُهَا وَحَلْقُهَا لِأَنَّهَا مُثْلَةٌ فِي حَقِّهَا بِخِلَافِ الرَّجُلِ، وَهَذَا قَدْ قَدَّمْته فِي آخِرِ بَابِ السِّوَاكِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَإِنْ اسْتَرْسَلَتْ اللِّحْيَةُ خَرَجَتْ1 عَنْ حَدِّ الْوَجْهِ فَفِيهَا قَوْلَانِ: أحدهما: لَا تَجِبُ إفَاضَةُ الْمَاءِ عَلَيْهَا لِأَنَّهُ شَعْرٌ لَا يُلَاقِي مَحَلَّ الْفَرْضِ فَلَمْ يَكُنْ مَحَلًّا لِلْفَرْضِ كَالذُّؤَابَةِ. والثاني: يَجِبُ لِمَا رُوِيَ:"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَأَى رَجُلًا غَطَّى لِحْيَتَهُ فَقَالَ: اكْشِفْ لِحْيَتَكَ فَإِنَّهَا مِنْ الْوَجْهِ"وَلِأَنَّهُ شَعْرٌ ظَاهِرٌ ثَابِتٌ عَلَى بَشَرَةِ الْوَجْهِ فَأَشْبَهَ شَعْرَ الْخَدّ".
الشرح: هَذَا الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ وُجِدَ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ وَلَمْ يُوجَدْ فِي بَعْضِهَا، وَكَذَا لَمْ يَقَعْ فِي نُسْخَةٍ قِيلَ: إنَّهَا مَقْرُوءَةٌ عَلَى الْمُصَنِّفِ وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْحَازِمِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ، قَالَ: وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي هَذَا شَيْءٌ. وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: لِأَنَّهُ شَعْرٌ ظَاهِرٌ"احْتِرَازٌ مِنْ بَاطِنِ اللِّحْيَةِ الْكَثَّةِ، وَقَوْلُهُ"عَلَى بَشَرَةِ الْوَجْهِ"احْتِرَازٌ مِنْ النَّاصِيَةِ، وَقَوْلُهُ:"اسْتَرْسَلَتْ اللِّحْيَةُ"أَيْ: امْتَدَّتْ وَانْبَسَطَتْ، وَالذُّؤَابَةُ بِضَمِّ الذَّالِ وَبَعْدَهَا هَمْزَةٌ."
أَمَّا حُكْمُ الْمسألة: فَقَالَ أَصْحَابُنَا إذَا خَرَجَتْ اللِّحْيَةُ عَنْ حَدِّ الْوَجْهِ طُولًا أَوْ عَرْضًا أَوْ خَرَجَ شَعْرُ الْعِذَارِ أَوْ الْعَارِضِ أَوْ السِّبَالِ فَهَلْ يَجِبُ إفَاضَةُ الْمَاءِ عَلَى الْخَارِجِ ؟ فِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ، وَهَذِهِ الْمسألة:أَوَّلُ مسألة:نَقَلَ الْمُزَنِيّ فِي"المختصر"فِيهَا قَوْلَيْنِ: الصَّحِيحُ مِنْهُمَا عِنْدَ الْأَصْحَابِ الْوُجُوبُ، وَقَطَعَ بِهِ جَمَاعَاتٌ مِنْ أَصْحَابِ الْمُخْتَصَرَاتِ. والثاني: لَا يَجِبُ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ. وَالْقَوْلَانِ جَارِيَانِ فِي الْخَارِجِ عَنْ حَدِّ الْوَجْهِ طُولًا أَوْ عَرْضًا كَمَا ذَكَرْنَاهُ، صَرَّحَ بِهِ أَبُو عَلِيٍّ الْبَنْدَنِيجِيُّ فِي كِتَابِهِ الْجَامِعِ وَآخَرُونَ.
ثُمَّ إنَّ عِبَارَةَ جُمْهُورِ الْأَصْحَابِ كَعِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ يَقُولُونَ: هَلْ يَجِبُ إفَاضَةُ الْمَاءِ عَلَى الْخَارِجِ ؟ فِيهِ قَوْلَانِ، وَعِبَارَةُ صَاحِبِ الشَّامِلِ وَقَلِيلِينَ هَلْ يَجِبُ غَسْلُ ظَاهِرِ الْخَارِجِ ؟ فِيهِ قَوْلَانِ. قَالَ الرَّافِعِيُّ: لَفْظُ الْإِفَاضَةِ فِي اصْطِلَاحِ الْمُتَقَدِّمِينَ إذَا اُسْتُعْمِلَ فِي الشَّعْرِ كَانَ لِإِمْرَارِ الْمَاءِ عَلَى الظَّاهِرِ، وَلَفْظُ الْغَسْلِ لِلْإِمْرَارِ عَلَى الظَّاهِرِ مَعَ الْإِدْخَالِ فِي الْبَاطِنِ، وَلِهَذَا اعْتَرَضُوا عَلَى الزُّبَيْرِيِّ حِينَ قَالَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: يَجِبُ الْغَسْلُ فِي قَوْلٍ وَالْإِفَاضَةُ فِي قَوْلٍ، وَقَالُوا: الْغَسْلُ غَيْرُ وَاجِبٍ قَوْلًا وَاحِدًا، وَإِنَّمَا الْقَوْلَانِ فِي الْإِفَاضَةِ.
وَمَقْصُودُ الْأَئِمَّةِ بِلَفْظِ الْإِفَاضَةِ أَنَّ دَاخِلَ الْمُسْتَرْسِلِ لَا يَجِبُ غَسْلُهُ قَوْلًا وَاحِدًا كَالشَّعْرِ النَّابِتِ تَحْتَ الذَّقَنِ، وَهَذَا كَلَامُ الرَّافِعِيِّ وَكَذَا قَالَ الْمَحَامِلِيُّ فِي كِتَابَيْهِ: لَا خِلَافَ أَنَّ غَسْلَ الشَّعْرِ الْخَارِجِ لَا يَجِبُ، وَهَلْ يَجِبُ إفَاضَةُ الْمَاءِ عَلَى ظَاهِرِهِ ؟ فِيهِ الْقَوْلَانِ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ كَلَامًا"مختصره"أَنَّ النَّازِلَ عَنْ حَدِّ الْوَجْهِ إنْ كَانَ كَثِيفًا فَالْقَوْلَانِ فِي وُجُوبِ إفَاضَةِ الْمَاءِ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَلَا يَجِبُ غَسْلُ بَاطِنِهِ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ كَانَ خَفِيفًا فَالْقَوْلَانِ فِي وُجُوبِ غَسْلِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ، وَكَلَامُ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 في نسخة الركبي (ونزلت) .