ج / 10 ص -91- وَالْمَاوَرْدِيِّ لَيْسَ فِي هَذَا الْقِسْمِ، بَلْ فِي قِسْمٍ يَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ. هَذَا إذَا كَانَ الْعَيْبُ بِالْجَمِيعِ. أَمَّا إذَا كَانَ بِبَعْضِهَا وَالْفَرْضُ أَنَّهُ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ كَمَا إذَا اشْتَرَى دَرَاهِمَ فَوَجَدَ بَعْضَهَا نُحَاسًا بَطَلَ الْبَيْعُ فِي النُّحَاسِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَفِي الْبَاقِي قَوْلَا تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
فَإِنْ قُلْنَا: لَا تَفْرِيقَ بَطَلَ فِي الْجَمِيعِ وَاسْتَرَدَّ جُمْلَةَ الثَّمَنِ، وَإِنْ قُلْنَا يُفَرَّقُ - وَهُوَ الصَّحِيحُ - كَانَ لَهُ إمْسَاكُ الْبَاقِي، وَبِمَاذَا يُمْسِكُهُ؟ وَفَرْضُ الْمَسْأَلَةِ فِي صَرْفِ النَّقْدِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ، هَلْ، يُمْسِكُ الْبَاقِيَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ أَوْ بِالْجَمِيعِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَآخَرُونَ، وَهُمَا الْقَوْلَانِ فِيمَا عَدَاهَا مِنْ صُوَرِ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَأْخُذُهُ بِالْحِصَّةِ، فَعَلَى هَذَا يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ، لِأَنَّ الصَّفْقَةَ قَدْ تَفَرَّقَتْ عَلَيْهِ. وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ مِنْ جِنْسِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ كَخُشُونَةِ الْفِضَّةِ وَرَدَاءَةِ الْمَعْدِنِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ لِمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ إمَّا أَنْ يَظْهَرَ الْعَيْبُ وَالْمَعِيبُ بَاقٍ أَوْ بَعْدَ تَلَفِهِ فَإِنْ ظَهَرَ وَالْمَعِيبُ بَاقٍ فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَرُدَّ وَيَسْتَرْجِعَ الثَّمَنَ وَبَيْنَ أَنْ يَرْضَى بِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ. وَحُكْمُ الرَّدِّ انْفِسَاخُ الْعَقْدِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُطَالِبَ بِبَدَلِهِ وَلَا يَسْتَبْدِلَ عَنْهُ قَوْلًا وَاحِدًا، سَوَاءٌ قَبْلَ التَّفَرُّقِ وَبَعْدَهُ فَإِنَّ مَوْرِدَ الْعَقْدِ مُعَيَّنٌ اتَّفَقَتْ كَلِمَةُ الْأَصْحَابِ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا أَنْ يَأْخُذَ أَرْشَ الْمَعِيبِ، لِأَنَّ الْأَرْشَ لَا يُسْتَحَقُّ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الرَّدِّ، قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ، وَذَلِكَ مَعْرُوفٌ مَوْضِعُهُ، وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى تَفَاصِيلُ ذَلِكَ وَأَحْكَامُهُ فِي بَابِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ. وَمَذْهَبُ أَحْمَدَ فِي هَذَا الْقِسْمِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُ الْأَرْشِ فِي الْمَجْلِسِ، وَالْفَرْضُ فِي صَرْفِ النَّقْدِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ، وَلَا يَجُوزُ بَعْدَ الْمَجْلِسِ إلَّا أَنْ يَجْعَلَ الْأَرْشَ فِي غَيْرِ الْأَثْمَانِ.
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ بِالْجَمِيعِ كَانَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ رَدِّهِ وَبَيْنَ الرِّضَى بِهِ مَعِيبًا بِالثَّمَنِ كُلِّهِ، وَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ بِالْبَعْضِ كَانَ لَهُ رَدُّ الْجَمِيعِ لِوُجُودِ الْعَيْبِ فِي الصَّفْقَةِ، وَحَكَى الْغَزَالِيُّ رحمه الله فِي الْوَسِيطِ وَجْهًا فِي مَسْأَلَةِ الْعَبْدَيْنِ أَنَّهُ لَا يَرُدُّهُمَا إلَّا إذَا كَانَا مَعِيبَيْنِ وَسَأَتَكَلَّمُ عَلَى ذَلِكَ فِي بَابِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَهَلْ لَهُ أَنْ يَرُدَّ الْمَعِيبَ وَيُمْسِكَ السَّلِيمَ؟ قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله فِي كِتَابِ الصَّرْفِ مِنْ الْأُمِّ: فَإِنْ رَدَّهُ رَدَّ الْبَيْعَ كُلَّهُ، لِأَنَّهَا صَفْقَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهَذَا الْكَلَامُ قَدْ يُوهِمُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ التَّفْرِيقُ، وَهُوَ الَّذِي جَزَمَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي مَسْأَلَةِ الْعَبْدَيْنِ. وَأَكْثَرُ الْأَصْحَابِ أَطْبَقُوا عَلَى تَخْرِيجِهِ عَلَى قَوْلَيْ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ فِي الدَّوَامِ. وَسَيَأْتِي التَّنْبِيهُ فِي بَابِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ عَلَى أَنَّ الصَّحِيحَ عَدَمُ التَّفْرِيقِ هُنَا، وَإِنْ كَانَ الصَّحِيحُ أَنَّ الصَّفْقَةَ تُفَرَّقُ فَالْخِلَافُ وَإِنْ كَانَ مُخَرَّجًا عَلَى الْخِلَافِ لَكِنَّ الصَّحِيحَ غَيْرُ الصَّحِيحِ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَتَبَعَّضُ كُلًّا يَتَخَيَّرُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ؛ إمْسَاكِ الْجَمِيعِ وَرَدِّ الْجَمِيعِ، وَإِنْ قُلْنَا تُفَرَّقُ، فَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ يُخَيَّرُ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ كَانَ لَهُ رَدُّ الْعَيْبِ وَإِمْسَاكُ السَّلِيمِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ، وَإِنْ قُلْنَا: يُخَيَّرُ بِكُلِّ الثَّمَنِ لَمْ يَكُنْ حَظُّهُ فِي رَدِّ الْمَعِيبِ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَرْجِعُ بِإِزَائِهِ مِنْ الثَّمَنِ شَيْئًا فَيَكُونُ رَدُّهُ سَفَهًا لِأَنَّ تَبْقِيَتَهُ عَلَى مِلْكِهِ أَصْلَحُ لَهُ مِنْ رَدِّهِ هَكَذَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ.