ج / 10 ص -56- الْحُكْمُ الْخَامِسُ
إنَّ الْبُرَّ وَالشَّعِيرَ جِنْسَانِ، فَيَجُوزُ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ مُتَفَاضِلًا. هَذَا مَذْهَبُنَا وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رحمه الله: وَالثَّوْرِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُد، وَهُوَ مَذْهَبُ عَطَاءٍ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَالشَّعْبِيِّ وَالزُّهْرِيِّ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَأَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْكُوفَةِ. وَقَالَ بِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ ابْنُ عُمَرَ وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ.
وَخَالَفَ مَالِكٌ رحمه الله وَالْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ فَقَالُوا: لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْحِنْطَةِ بِالشَّعِيرِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَبِهِ قَالَ رَبِيعَةُ وَأَبُو الزِّنَادِ وَالْحَكَمُ وَحَمَّادٌ وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ وَسُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، وَرُوِيَ وَلَمْ يَصِحَّ عَنْ الْقَاسِمِ وَسَالِمٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَهْلِ الشَّامِ. وَدَلِيلُنَا فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الثَّابِتِ فِي مُسْلِمٍ قَالَ:"قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم التَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ، فَمَنْ زَادَ أَوْ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى إلَّا مَا اخْتَلَفَتْ أَلْوَانُهُ"
وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ:"فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ"وَأَيْضًا فَإِنَّهُ نَصَّ عَلَى الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ، وَأَفْرَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِاسْمٍ، وَإِنَّمَا قَصَدَ الْأَجْنَاسَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْبُرَّ جِنْسٌ وَالشَّعِيرَ جِنْسٌ وَيَدُلُّ عَلَى الْمَسْأَلَةِ صَرِيحًا قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ مِنْ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ"فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ"وَمِنْ رِوَايَةِ النَّسَائِيّ"وَأُمِرْنَا أَنْ نَبِيعَ الذَّهَبَ بِالْوَرِقِ وَالْوَرِقَ بِالذَّهَبِ وَالْبُرَّ بِالشَّعِيرِ وَالشَّعِيرَ بِالْبُرِّ، يَدًا بِيَدٍ كَيْفَ شِئْنَا"وَهَذَا نَصٌّ.
وَأَمَّا تَأْوِيلُ الْحَنَفِيَّةِ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَنْهُ وَفِي حَدِيثِ عُبَادَةَ الَّذِي فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد"وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ الْبُرِّ بِالشَّعِيرِ وَالشَّعِيرُ أَكْثَرُهُمَا، يَدًا بِيَدٍ"وَأَمَّا النَّسِيئَةُ وَكَذَلِكَ عِنْدَ النَّسَائِيّ:"وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ الشَّعِيرِ بِالْحِنْطَةِ يَدًا بِيَدٍ وَالشَّعِيرُ أَكْثَرُهُمَا"رَوَاهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ. وَرَوَى النَّسَائِيُّ أَيْضًا وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقٍ ثَالِثَةٍ إلَى عُبَادَةَ أَيْضًا فَقَالَ فِي آخِرِ حَدِيثِهِ:"وَأُمِرْنَا أَنْ نَبِيعَ الذَّهَبَ بِالْوَرِقِ، وَالْوَرِقَ بِالذَّهَبِ، وَالْبُرَّ بِالشَّعِيرِ وَالشَّعِيرَ بِالْبُرِّ. يَدًا بِيَدٍ كَيْفَ شِئْنَا"وَكُلُّ هَذِهِ الطُّرُقِ تَرْجِعُ إلَى مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ عُبَادَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ مُسْلِمَ بْنَ يَسَارٍ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي الْأَشْعَثِ عَنْ عُبَادَةَ، لَكِنَّ التِّرْمِذِيَّ فِي جَامِعِهِ ذَكَرَ اخْتِلَافًا فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ فَذَكَرَ أَوَّلًا بِإِسْنَادِهِ مِنْ رِوَايَةِ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ عَنْ عُبَادَةَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَقَالَ فِيهِ:"وَبِيعُوا الشَّعِيرَ بِالتَّمْرِ كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ"ثُمَّ قَالَ عَنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ رَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ خَالِدٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَقَالَ:"بِيعُوا الْبُرَّ بِالشَّعِيرِ كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ". وَرَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ عَنْ عُبَادَةَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الْحَدِيثَ وَزَادَ فِيهِ قَالَ خَالِدٌ: قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: بِيعُوا الْبُرَّ بِالشَّعِيرِ كَيْفَ شِئْتُمْ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ انْتَهَى كَلَامُ التِّرْمِذِيِّ فَقَدْ حَصَلَ الِاخْتِلَافُ عَلَى خَالِدٍ الْحَذَّاءِ هَلْ الْمَذْكُورُ فِي مُقَابَلَةِ الشَّعِيرِ التَّمْرُ أَوْ الْبُرُّ؟ فَإِنْ كَانَ التَّمْرَ فَلَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى الْمَالِكِيَّةِ لِأَنَّهُمْ قَائِلُونَ بِهِ، وَأَنَّهُمَا جِنْسَانِ، وَإِنْ كَانَ الْبُرَّ فَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ أَيْضًا، هَلْ هَذَا مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَوْ مُدْرَجٌ فِي الْحَدِيثِ مِنْ كَلَامِ أَبِي قِلَابَةَ؟ كَمَا ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الرِّوَايَةِ الْأَخِيرَةِ، وَلِذَلِكَ أَوْ نَحْوِهِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ