فهرس الكتاب

الصفحة 3360 من 4102

ج / 10 ص -54- يَسْتَغْنِي عَنْ التَّأْكِيدِ بِمُحْتَمَلٍ، كَيْفَ وَتَنْزِيلُ اللَّفْظِ عَلَى فَائِدَتَيْنِ أَوْلَى مِنْ الْحَمْلِ عَلَى وَاحِدَةٍ. وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الْيَدَ آلَةٌ لِلتَّعْيِينِ كَمَا هِيَ آلَةٌ لِلْإِقْبَاضِ فَالْجَوَابُ أَنَّهَا مُتَعَيَّنَةٌ لِلْإِقْبَاضِ.

وَأَمَّا التَّعْيِينُ فَيُشَارِكُهَا فِيهِ الْإِشَارَةُ بِالرَّأْسِ وَالْعَيْنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُمْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَقَالَ: يَدًا مِنْ يَدٍ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: يَدًا بِيَدٍ مَعْنَاهُ مَقْبُوضًا بِمَقْبُوضٍ فَعَبَّرَ بِالْيَدِ عَنْ الْمَقْبُوضِ لِأَنَّهَا إلَيْهِ مِنْ بَابِ التَّعْبِيرِ بِالسَّبَبِ الْفَاعِلِيِّ عَنْ الْمُسَبَّبِ، وَانْتِصَابُهُ عَلَى الْحَالِ، أَيْ حَالَ كَوْنِهِ مَقْبُوضًا بِمَقْبُوضٍ وَالْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، فَيَدُلُّ عَلَى اشْتِرَاطِ الْقَبْضِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَلَوْ قَالَ مِنْ يَدٍ لَمْ يُفِدْ ذَلِكَ، ثُمَّ اشْتَهَرَ هَذَا الْمَجَازُ حَتَّى صَارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً حَيْثُ أُطْلِقَ"يَدًا بِيَدٍ". لَا يُفْهَمُ مِنْهُ فِي الْعُرْفِ غَيْرُ التَّقَابُضِ وَقَدْ اعْتَضَدَ أَصْحَابُنَا فِي الْمَسْأَلَةِ وَالْمَعْنَى.

أَمَّا الْأَثَرُ فَحَدِيثُ عُمَرَ رضي الله عنه مَعَ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ وَطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ لَمَّا تَصَارَفَا، وَقَوْلُهُ: لَا تُفَارِقْهُ فَقَدْ نَهَى عُمَرُ مَالِكًا عَنْ مُفَارَقَةِ طَلْحَةَ حَتَّى يَقْبِضَ مِنْهُ وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم"إلَّا هَا وَهَا وَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ فَهِمَ مِنْهُ التَّقَابُضَ لَا مُجَرَّدَ الْحُلُولِ. وَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ قَاعِدَةِ الرِّبَا لَا مِنْ قَاعِدَةِ التَّعْيِينِ وَبَيْعِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ. وَهَذَا الْحَدِيثُ سَيَأْتِي مُسْتَوْفًى إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَفَهْمُ الرَّاوِي أَوْلَى مِنْ فَهْمِ غَيْرِهِ، لَا سِيَّمَا مِثْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه وَلَهُمْ أَنْ يَقُولُوا بَعْدَ تَسْلِيمِ الِاحْتِجَاجِ بِمِثْلِ خِلَافِ الظَّاهِرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ."

وَأَمَّا الْمَعْنَى فَهُوَ أَنَّ تَرْكَ التَّقَابُضِ رِبًا، لِأَنَّ الرِّبَا عِبَارَةٌ عَنْ الْفَضْلِ الْمُطْلَقِ. وَالْفَضْلُ يَكُونُ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ. يَكُونُ قَدْرًا فِي الصَّاعِ بِالصَّاعَيْنِ. وَنَقْدًا فِي الْعَيْنِ بِالنَّسَاءِ. وَقَبْضًا فِي الْمَقْبُوضِ وَغَيْرِ الْمَقْبُوضِ. قَالَ أَصْحَابُنَا: بَلْ الزِّيَادَةُ مِنْ حَيْثُ الْيَدُ فَوْقَ الزِّيَادَةِ مِنْ حَيْثُ الْعَيْنِيَّةُ. لِأَنَّ الْأَعْيَانَ إنَّمَا تُطْلَبُ لِيُتَوَصَّلَ إلَيْهَا بِالْأَيْدِي، وَلِأَنَّ الْيَدَ تُقْصَدُ بِنَفْسِهَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْعُقُودِ، وَالْعَيْنِيَّةَ لَا تُقْصَدُ بِنَفْسِهَا. وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ رِبًا فَيَجِبُ التَّقَابُضُ نَفْيًا لِلرِّبَا. وَمَتَى جَازَ تَأْخِيرُ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ أَمْكَنَ الرِّبَا فَلَا يُؤْمَنُ ذَلِكَ إلَّا بِإِيجَابِ التَّقَابُضِ فِيهِمَا. وَهَذَا مُلَخَّصُ سُؤَالٍ وَجَوَابٍ، ذَكَرَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ رحمه الله. وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي تَعْيِينِ الْأَثْمَانِ1 الَّذِي جَعَلُوا بِنَاءَ كَلَامِهِمْ عَلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنْبَلِيَّةُ مُوَافِقُونَ لَنَا فِي الْمَسْأَلَةِ، يَشْتَرِطُونَ التَّقَابُضَ فِي بَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ كَمَا هُوَ فِي الصَّرْفِ، وَقَدْ أَطَالَ كُلٌّ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ الْحَنَفِيَّةِ وَمُقَابِلِيهِمْ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ فِي الِاسْتِدْلَالِ وَالْإِلْزَامَاتِ بِمَا لَمْ أَرَ تَطْوِيلَ الْكِتَابِ بِذِكْرِهِ. وَعُمْدَةُ الْحَنَفِيَّةِ فِي الْجَوَابِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْأَثْمَانَ لَا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَمَتَى لَمْ يَتِمَّ لَهُمْ ذَلِكَ الْأَصْلُ انْحَلَّ كَلَامُهُمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِقِيَامِ الْإِجْمَاعِ عَلَى اشْتِرَاطِ الْقَبْضِ فِي الصَّرْفِ، وَحِينَئِذٍ لَا يَبْقَى فَرْقٌ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّعَامِ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 يعني تقويم عين السلعة بالثمن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت