ج / 10 ص -44- رِوَايَةَ مَنْ قَالَ: إنَّهُ بَاعَ دَرَاهِمَ بِدَرَاهِمَ خَطَأٌ عِنْدَهُ1 فَهَذَا جَوَابُ حَدِيثِي، وَقَدْ لَا يَجْسُرُ الْفَقِيهُ عَلَى الْحُكْمِ لِتَخْطِئَتِهِ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ. وَنَقُولُ إنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ رِوَايَاتِ عَمْرِو بْنَ دِينَارٍ، فَإِنَّ مِنْهَا مَا أُطْلِقَ فِيهِ الصَّرْفُ ومنها: مَا بَيَّنَ أَنَّهَا دَرَاهِمُ بِدَرَاهِمَ، فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ فَإِنَّ أَحَدَهُمَا بَيَّنَ مَا أَبْهَمَهُ الْآخَرُ. وَيَكُونُ حَدِيثُ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ حَدِيثًا آخَرَ وَارِدًا فِي الْجِنْسَيْنِ وَتَحْرِيمِ النَّسَاءِ فِيهِمَا. وَلَا تَنَافِي فِي ذَلِكَ وَلَا تَعَارُضَ، وَحِينَئِذٍ يُضْطَرُّ إلَى النَّسْخِ إنْ ثَبَتَ مُوجِبُهُ أَوْ تَرْجِيحُهُ. وَهُوَ حَاصِلٌ هُنَا بِأُمُورٍ منها: أَنَّ رِوَايَةَ أَحَادِيثِ التَّحْرِيمِ أَكْثَرُ كَمَا سَبَقَتْ عَلَيْهِمْ. وَالْقَاعِدَةُ التَّرْجِيحُ بِالْكَثْرَةِ. وَهَذَا قَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى: فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي نَتَكَلَّمُ عَلَيْهَا. فَإِنَّهُ رُوِيَ تَحْرِيمُ الْفَضْلِ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَأَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعُبَادَةَ وَقَالَ: رِوَايَةُ خَمْسَةٍ أَوْلَى مِنْ رِوَايَةِ وَاحِدٍ.
وَقَالَ سُلَيْمٌ الرَّازِيّ: إنَّ الشَّافِعِيَّ رضي الله عنه أَوْمَأَ فِي مَوْضِعٍ إلَى أَنَّهُ لَا تَرْجِحَ بِالْكَثْرَةِ فِي أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ، وَهُمَا سَوَاءٌ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ اعْتِبَارًا بِالشَّهَادَةِ حَيْثُ لَمْ يُرَجَّحْ فِيهَا بِكَثْرَةِ الْعَدَدِ، وَنَقَلَهُ فِي شَرْحِ اللُّمَعِ الْمُصَنِّفُ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا. ومنها: أَنَّهُمْ أَسَنُّ، فَإِنَّ فِيهِمْ عُثْمَانَ وَعُبَادَةَ وَغَيْرَهُمْ، مِمَّنْ هُمْ أَسَنُّ مِنْ الْبَرَاءِ وَزَيْدٍ كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ رحمه الله فِي أُسَامَةَ. ومنها: بِالْحِفْظِ فَإِنَّ فِيهِمْ أَبَا هُرَيْرَةَ وَأَبَا سَعِيدٍ وَغَيْرَهُمَا، مِمَّنْ هُوَ مَشْهُورٌ بِالْحِفْظِ أَكْثَرُ مِنْ الْبَرَاءِ وَزَيْدٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ فِي زَمَانِ الصِّبَا، وَهُوَ مَرْجُوحٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَوَّلِ، وَإِنَّمَا قُلْتُ إنَّ تَحَمُّلَ الْبَرَاءِ وَزَيْدٍ فِي حَالَةِ الصِّبَا لِأَنَّهُمَا قَالَا:"قَدِمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم2 الْمَدِينَةَ وَتَحَادُثُنَا"هَكَذَا قَالَ وَعِنْدَ قُدُومِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كَانَ سِنُّ كُلٍّ مِنْهُمَا عَشْرًا أَوْ نَحْوَهَا لِمَا ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ سَلَمَةَ الْخُزَاعِيِّ أَنَّهُ رَوَى بِإِسْنَادِهِ إلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم اسْتَصْغَرَهُ يَوْمَ أُحُدٍ، وَالْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ وَزَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ وَأَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ وَسَعِيدَ بْنَ حَبِيبَةَ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ. وَعَنْ الْوَاقِدِيِّ أَنَّ أَوَّلَ غَزْوَةٍ شَهِدَاهَا الْخَنْدَقُ.
وَمِنْ الْمُرَجِّحَاتِ أَيْضًا أَنَّ حَدِيثَ الْبَرَاءِ وَزَيْدٍ مُبِيحٌ، وَأَحَادِيثُ عُبَادَةَ وَأَصْحَابِهِ مُحَرِّمَةٌ، وَإِذَا تَعَارَضَ الْمُقَرِّرُ وَالنَّاقِلُ فَالْمُرَجَّحُ النَّاقِلُ عَنْ حُكْمِ الْأَصْلِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَهُوَ الَّذِي جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَسُلَيْمٌ، لِأَنَّهُ يُفِيدُ حُكْمًا شَرْعِيًّا خِلَافًا لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْخَطِيبِ حَيْثُ قَالَ: يُقَدَّمُ الْمُقَرِّرُ، وَإِنْ حَصَلَ التَّعَارُضُ فِي التَّحْرِيمِ وَالْإِبَاحَةِ مِنْ غَيْرِ اعْتِضَادٍ بِأَصْلٍ، فَالْمُحَرِّمُ رَاجِحٌ عَلَى الْمُبِيحِ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَوَافَقَهُمْ الْكَرْخِيُّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَأَبُو يَعْلَى مِنْ الْحَنْبَلِيَّةِ لِلِاحْتِيَاطِ خِلَافًا لِلْغَزَالِيِّ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 نص قول البيهقي في"السنن الكبرى"جـ 5 ص 281 وروي عن الحميدي عن سفيان عن عمرو بن دينار عن أبي المنهال قال: باع شريك لي بالكوفة دراهم بدراهم بينهما فضل (عندي) إن هذا خطأ والصحيح ما رواه علي بن المديني ومحمد بن حاتم وهو المراد بما أطلق في رواية ابن جريج فيكون الخبر واردا في بيع الجنسين أحدهما بالآخر فقال: ما كان منه يدا بيد فلا بأس، وما كان منه نسيئة فلا وهو المراد بحديث أسامة والله أعلم.
2 نص الحديث: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ونحن نبيع هذا البيع فقال: ما كان يدا بيد فلا بأس به وما كان نسيئة فهو ربا الخ.