ج / 1 ص -203- وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ"حَتَّى عَمِيَ"يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَمَاهُ بِسَبَبِ غَسْلِ الْعَيْنِ كَمَا هُوَ السَّابِقُ إلَى الْفَهْمِ وَكَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ أَصْحَابِنَا، وَيَحْتَمِلُ كَوْنُهُ بِسَبَبٍ آخَرَ وَيَكُونُ مَعْنَاهُ مَا زَالَ يَغْسِلُهُمَا حَتَّى حَصَلَ سَبَبٌ عَمِيَ بِهِ فَتَرَكَ بَعْدَ ذَلِكَ غَسْلَهُمَا، فَفِي تَهْذِيبِ اللُّغَةِ لِلْأَزْهَرِيِّ قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: الْقَدَعُ انْسِلَاقُ الْعَيْنِ مِنْ كَثْرَةِ الْبُكَاءِ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَدِعًا.
قُلْتُ: الْقَدَعُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَالدَّالِ وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَقَوْلُهُ:"كَانَ قَدِعًا بِكَسْرِ الدَّالِ فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ عَمِيَ بِالْبُكَاءِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ بِالْأَمْرَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ."
أَمَّا حُكْمُ الْمسألة: فَلَا يَجِبُ غَسْلُ دَاخِلِ الْعَيْنِ بِالِاتِّفَاقِ، وَفِي اسْتِحْبَابِهِ الْوَجْهَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ: لَا يُسْتَحَبُّ، وَمِمَّنْ صَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمُتَوَلِّي وَالشَّاشِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ، وَنَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ غَيْرِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ، وَصَحَّحَتْ طَائِفَةٌ الِاسْتِحْبَابَ وَقَطَعَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي"المجموع"وَالتَّجْرِيدِ وَالْبَغَوِيُّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَنَقَلَهُ الْبَغَوِيّ عَنْ نَصِّهِ فِي الْأُمِّ، وَلَيْسَ نَصُّهُ فِي"الأم"ظَاهِرًا فِيمَا نَقَلَهُ فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْأُمِّ: إنَّمَا أَكَّدْتُ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ دُونَ غَسْلِ الْعَيْنَيْنِ لِلسُّنَّةِ، وَلِأَنَّ الْفَمَ وَالْأَنْفَ يَتَغَيَّرَانِ وَأَنَّ الْمَاءَ يَقْطَعُ مِنْ تَغَيُّرِهِمَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْعَيْنُ. وَذَكَر الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ أَنَّ بَعْضَ الْأَصْحَابِ قَالَ: يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عَلَيْهِ، قَالَ الْقَاضِي: وَلَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا وَإِنَّمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ: أَكَّدْتُ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ عَلَى غَسْلِ دَاخِلِ الْعَيْنَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
فرع: هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ إنَّمَا هُوَ فِي غَسْلِ دَاخِلِ الْعَيْنِ، أَمَّا مَآقِي الْعَيْنَيْنِ فَيُغْسَلَانِ بِلَا خِلَافٍ، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِمَا قَذًى يَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ إلَى الْمَحَلِّ الْوَاجِبِ مِنْ الْوَجْهِ وَجَبَ مَسْحُهُ وَغَسْلُ مَا تَحْتَهُ وَإِلَّا فَمَسْحُهُمَا مُسْتَحَبٌّ. هَكَذَا فصل:هُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَأَطْلَقَ الْجُمْهُورُ أَنَّ غَسْلَهُمَا مُسْتَحَبٌّ وَنَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ فَقَالَ: قَالَ أَصْحَابُنَا يُسْتَحَبُّ مَسْحُ مَآقِيهِ بِسَبَّابَتَيْهِ، وَهَذَا الْإِطْلَاقُ مَحْمُولٌ عَلَى تَفْصِيلِ الْمَاوَرْدِيُّ. وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: كَانَ يَمْسَحُ الْمَأْقَيْنِ1 فِي وُضُوئِهِ"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ وَلَمْ يُضَعِّفْهُ، وَقَدْ قَالَ: إنَّهُ إذَا لَمْ يُضَعَّفْ الْحَدِيثُ يَكُونُ حَسَنًا أَوْ صَحِيحًا لَكِنْ فِي إسْنَادِهِ شَهْرُ2 بْنُ حَوْشَبٍ وَقَدْ جَرَّحَهُ جَمَاعَةٌ لَكِنْ وَثَّقَهُ الْأَكْثَرُونَ وَبَيَّنُوا أَنَّ الْجَرْحَ كَانَ مُسْتَنِدًا إلَى مَا لَيْسَ بِجَارِحٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 المآق مؤخر العين ورواية الحديث مدرج فيها:"الأذنان من الرأس"كما قال ذلك سليمن بن حرب شيخ أبي داود ونسبوا الإدراج إلى أبي إمامة ونصه:ذكر وضوء النبي صلى الله عليه وسلم قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح المآقين وقال الأذنان من الرأس" (ط) "
2 كان البب في تجريحه اشتغاله على بيت المال وقد أخذ مرة خريطة فقال قائل:
لقد باع شهر دينه بخريطة فمن يأمن من القراء بعد يا شهر
وقال أيوب بن أبي الحسين الندبي:مارأيت أحدا أقرأ لكتاب اللله منه، وقال البخاري: حسن الحديث مات سنة 111 (ط)