ج / 1 ص -180- وَالتَّبَرُّدَ وَفِيهِ الْوَجْهَانِ: الْمَنْصُوصُ فِي الْبُوَيْطِيِّ صِحَّةُ الْوُضُوءِ. وَالثَّانِي: لَا يَصِحُّ مَا غَسَلَهُ بِنِيَّةِ التَّبَرُّدِ فَيَكُونُ حُكْمُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْحَالِ الْأَوَّلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: لَوْ غَسَلَ الْمُتَوَضِّئُ أَعْضَاءَهُ إلَّا رِجْلَيْهِ فَسَقَطَ فِي نَهْرٍ فَانْغَسَلَتَا فَإِنْ كَانَ ذَاكِرًا لِلنِّيَّةِ صَحَّ وُضُوءُهُ، وَإِلَّا فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يُجْزِيهِ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ، وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ يُجْزِيهِ، هَكَذَا ذَكَرَ الْمسألة:الْبَغَوِيّ وَالْمُتَوَلِّي وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: الْأَصَحُّ صِحَّةُ وُضُوئِهِ إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ، وَالْمُخْتَارُ مَا قَالَهُ الْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
فرع: فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالْبَابِ:
إحداها: إذَا نَوَى الْمُحْدِثُ الْوُضُوءَ فَقَطْ فَفِي ارْتِفَاعِ حَدَثِهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ أَصَحُّهُمَا ارْتِفَاعُهُ. وَالثَّانِي: لَا؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ قَدْ يَكُونُ تَجْدِيدًا فَلَا يَرْفَعُ حَدَثًا، قَالَ الرُّويَانِيُّ: فَلَوْ نَوَى الْجُنُبُ الْغُسْلَ لَمْ يُجْزِئْهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ عَادَةً وَقَدْ يَكُونُ مَنْدُوبًا، قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: الَّذِي قَطَعَ بِهِ أَئِمَّةُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ إذَا نَوَى بِوُضُوئِهِ أَدَاءَ الْوُضُوءِ أَوْ فَرْضَ الْوُضُوءِ صَحَّ وَارْتَفَعَ حَدَثُهُ، وَقَطَعَ أَيْضًا الْمُتَوَلِّي بِأَنَّهُ إذَا نَوَى فَرْضَ الْوُضُوءِ أَوْ الْجُنُبُ أَوْ الْحَائِضُ فَرْضَ الْغُسْلِ أَجْزَأَهُمْ.
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ الْوُضُوءُ بِنِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ ؟.
فَالْجَوَابُ أَنَّ الْوُضُوءَ يَجِبُ بِمُجَرَّدِ الْحَدَثِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَتَضَيَّقُ وَقْتُهُ قَبْلَ إرَادَةِ الصَّلَاةِ. وَهَذَا عَلَى أَحَدِ الْأَوْجُهِ فِي مُوجِبِ الْوُضُوءِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ الْقِيَامُ إلَى الصَّلَاةِ. وَالثَّالِثُ: كِلَاهُمَا. وَجَوَابٌ آخَرُ أَجَابَ بِهِ الرَّافِعِيُّ وَهُوَ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفَرْضِيَّةِ هُنَا فِعْلُ طَهَارَةِ الْحَدَثِ الْمَشْرُوطَةِ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ، وَشَرْطُ الشَّيْءِ يُسَمَّى فَرْضًا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يَصِحُّ إلَّا بِهِ، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ حَقِيقَةَ الْفَرْضِيَّةِ لَمَا صَحَّ وُضُوءُ الصَّبِيِّ بِهَذِهِ النِّيَّةِ وَهُوَ صَحِيحٌ بِهَا .
الْمسألة:الثَّانِيَةُ: إذَا فَرَّقَ النِّيَّةَ عَلَى أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَنَوَى عِنْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ رَفْعَ الْحَدَثِ عَنْ الْوَجْهِ، وَعِنْدَ غَسْلِ الْيَدَيْنِ رَفْعَ الْحَدَثِ عَنْهُمَا، وَكَذَا عِنْدَ الرَّأْسِ وَالرِّجْلَيْنِ فَفِي صِحَّةِ وُضُوئِهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ فِي كُتُبِ الْخُرَاسَانِيِّينَ، وَذَكَرَهُمَا مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ الْمَاوَرْدِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُمَا: أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْأَصْحَابِ الصِّحَّةُ وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَنَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ مُعْظَمِ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ تَفْرِيقُ أَفْعَالِ الْوُضُوءِ عَلَى الصَّحِيحِ فَكَذَا النِّيَّةُ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا مِمَّا لَا يَجُوزُ فِيهِ تَفْرِيقُ النِّيَّةِ. وَخَالَفَ الْغَزَالِيُّ الْأَصْحَابَ فَقَالَ: الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ.
ثُمَّ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ أَطْلَقُوا الْمسألة:فِي تَفْرِيقِ النِّيَّةِ. وَقَالَ الرَّافِعِيُّ الْمَشْهُورُ أَنَّ الْخِلَافَ فِي مُطْلَقِ التَّفْرِيقِ، قَالَ: وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ أَنَّ الْخِلَافَ فِيمَا إذَا نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ عَنْ الْعُضْوِ الْمَغْسُولِ دُونَ غَيْرِهِ، قَالَ الرَّافِعِيُّ: ثُمَّ مِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ بَنَى تَفْرِيقَ نِيَّةِ الْوُضُوءِ عَلَى تَفْرِيقِ أَفْعَالِهِ فَقَالَ: إنْ جَوَّزْنَا تَفْرِيقَ الْأَفْعَالِ فَكَذَا النِّيَّةُ وَإِلَّا فَلَا، وَمِنْهُمْ مَنْ رَتَّبَهُ عَلَيْهِ فَقَالَ: إنْ مَنَعْنَا تَفْرِيقَ الْأَفْعَالِ فَالنِّيَّةُ أَوْلَى وَإِلَّا فَوَجْهَانِ .