ج / 9 ص -98- الْقَفَّالُ: هُوَ بَيْنَهُمَا فَقِيلَ لَهُ: لَوْ جَرَحَ رَجُلٌ جِرَاحَةً مُذَفِّفَةً وَجَرَحَهُ آخَرُ جِرَاحَةً لَا يَدْرِي أَمُذَفِّفَةٌ هِيَ أَمْ لَا؟ فَمَاتَ فَقَالَ: يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَيْهِمَا، قَالَ الْإِمَامُ: هَذَا بَعِيدٌ، وَالْوَجْهُ تَخْصِيصُ الْقِصَاصِ بِصَاحِبِ الْمُذَفِّفَةِ، وَفِي الصَّيْدِ يُسَلَّمُ نِصْفُهُ لِمَنْ جُرْحُهُ مُذَفِّفًا وَيُوقَفُ نِصْفُهُ بَيْنَهُمَا إلَى الْمُصَالَحَةِ أَوْ تَبَيُّنِ الْحَالِ، فَإِنْ لَمْ يُتَوَقَّعْ بَيَانٌ جُعِلَ النِّصْفُ الْآخَرُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
الْحَالُ الثَّالِثُ: إذَا تَرَتَّبَ الْجُرْحَانِ وَأَحَدُهُمَا مُزْمِنٌ لَوْ انْفَرَدَ وَالْآخَرُ مُذَفِّفٌ وَارِدٌ عَلَى الْمَذْبَحِ، وَلَمْ يُعْرَفْ السَّابِقُ، فَالصَّيْدُ حَلَالٌ، وَإِنْ اخْتَلَفَا وَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ أَنَّهُ جَرَحَهُ أَوَّلًا وَأَزْمَنَهُ، أَوْ أَنَّهُ لَهُ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ تَحْلِيفُ الْآخَرِ، فَإِنْ حَلَفَ فَالصَّيْدُ بَيْنَهُمَا. وَلَا شَيْءَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا فَقَطْ فَالصَّيْدُ لَهُ، وَعَلَى الْآخَرِ أَرْشُ مَا نَقَصَ بِالذَّبْحِ، وَلَوْ تَرَتَّبَا وَأَحَدُهُمَا مُزْمِنٌ وَالْآخَرُ مُذَفِّفٌ فِي غَيْرِ الْمَذْبَحِ وَلَمْ يُعْرَفْ السَّابِقُ فَالْمَذْهَبُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ الصَّيْدَ حَرَامٌ، لِاحْتِمَالِ تَقَدُّمِ الْإِزْمَانِ فَلَا يَحِلُّ بَعْدَهُ إلَّا بِقَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ، وَقِيلَ قَوْلَانِ كَمَسْأَلَةِ الْإِيمَاءِ السَّابِقَةِ، وَوَجْهُ الشَّبَهِ اجْتِمَاعُ الْمُبِيحِ وَالْمُحَرِّمِ وَالْفَرْقُ عَلَى الْمَذْهَبِ أَنَّهُ سَبَقَ هُنَاكَ جُرْحٌ يُحَالُ عَلَيْهِ، فَإِنْ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ أَنَّهُ أَزْمَنَهُ أَوَّلًا وَأَنَّ الْآخَرَ أَفْسَدَهُ، فَالصَّيْدُ حَرَامٌ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ تَحْلِيفُ الْآخَرِ، فَإِنْ حَلَفَا فَلَا شَيْءَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا لَزِمَ الثَّانِيَ كُلُّ قِيمَتِهِ مُزْمِنًا.
وَلَوْ قَالَ الْجَارِحُ أَوَّلًا: أَزْمَنْته أَنَا، ثُمَّ أَفْسَدْته أَنْتَ بِقَتْلِك، فَعَلَيْكَ الْقِيمَةُ، وَقَالَ الثَّانِي: لَمْ تُزْمِنْهُ أَنْتَ بَلْ كَانَ امْتِنَاعُهُ إلَى أَنْ رَمَيْتَهُ فَأَزْمَنْته، أَوْ ذَفَفْته، فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى غَيْرِ جِرَاحَةِ الْأَوَّلِ وَعَلِمْنَا أَنَّهُ لَا يَبْقَى امْتِنَاعٌ مَعَهَا كَكَسْرٍ1 وَكَسْرِ رِجْلِ الْمُمْتَنِعِ بِالْعَدْوِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَوَّلِ بِلَا يَمِينٍ، وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الثَّانِي، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الِامْتِنَاعِ، فَإِنْ حَلَفَ فَالصَّيْدُ لَهُ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْأَوَّلِ، وَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْأَوَّلُ وَاسْتَحَقَّ قِيمَتَهُ مَجْرُوحًا الْجِرَاحَةَ الْأُولَى، وَلَا يَحِلُّ الصَّيْدُ لِأَنَّهُ مَيْتَةٌ بِزَعْمِهِ، وَهَلْ لِلثَّانِي أَكْلُهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ": لَا، لِأَنَّ إلْزَامَهُ الْقِيمَةَ حُكْمٌ بِكَوْنِهِ مَيْتَةً، وَقَالَ غَيْرُهُ: لَهُ أَكْلُهُ لِأَنَّ النُّكُولَ فِي خُصُومَةِ الْآدَمِيِّ لَا تُغَيِّرُ الْحُكْمَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَوْ عَلِمْنَا أَنَّ الْجِرَاحَةَ الْمُذَفِّفَةَ سَابِقَةٌ عَلَى الَّتِي لَوْ انْفَرَدَتْ لَكَانَتْ مُزْمِنَةً فَالصَّيْدُ حَلَالٌ، فَإِنْ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ: أَنَا ذَفَفْته فَلِكُلِّ وَاحِدٍ تَحْلِيفُ الْآخَرِ، فَإِنْ حَلَفَا كَانَ بَيْنَهُمَا وَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا كَانَ لَهُ وَعَلَى الْآخَرِ ضَمَانُ مَا نَقَصَ."
فرع: قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى فِي الْمُخْتَصَرِ: لَوْ رَمَاهُ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي وَوَجَدْنَاهُ مَيِّتًا وَلَمْ يُدْرَ أَجْعَلهُ الْأَوَّلُ مُمْتَنِعًا أَمْ لَا لَجَعَلْنَاهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَقَالَ فِي الْأُمِّ: حَلَّ أَكْلُهُ وَكَانَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ فَقِيلَ: يَنْبَغِي أَنْ يَحْرُمَ هَذَا الصَّيْدُ لِاجْتِمَاعِ مَا يَقْتَضِي الْإِبَاحَةِ وَالتَّحْرِيمِ وَالْأَصْلُ التَّحْرِيمُ وَعَلَى تَقْدِيرِ الْحِلِّ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَهُمَا بَلْ يَكُونُ لِمَنْ أَثْبَتَهُ مِنْهُمَا، وَاخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي الْجَوَابِ عَنْ هَذَيْنِ الِاعْتِرَاضَيْنِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا: تَرْكُ ظَاهِرِ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ، وَتَسْلِيمُ مَا قَالَهُ الْمُعْتَرِضِ وَتَأْوِيلُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ وأما قَوْلُهُ: إنَّهُ يَحِلُّ أَكْلُهُ. فَأَرَادَ بِهِ إذَا عَقَرَهُ أَحَدُهُمَا فَأَثْبَتَهُ، ثُمَّ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 كذا بالأصل فحرر، قلت: ويحتمل أن يكون السقط مقابلا ومشاكلا لما بعد فيكون التعبير هكذا: وعلمنا أنه لا يبقى امتناع معها ككسر جناح الممتنع بالطير،وكسر رجل الممتنع بالعدو (المطيعي) .