ج / 1 ص -177- قَالَ المصنف رحمه الله تعالى:"وَإِنْ نَوَى الطَّهَارَةَ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ أَوْ الْجُلُوسِ فِي الْمَسْجِدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُسْتَحَبُّ لَهُ الطَّهَارَةُ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يُجْزِيهِ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَبَاحُ مِنْ غَيْرِ طَهَارَةٍ فَأَشْبَهَ مَا إذَا تَوَضَّأَ لِلُبْسِ الثَّوْبِ. وَالثَّانِي: يُجْزِيهِ لِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ لَا يَفْعَلَ ذَلِكَ وَهُوَ مُحْدِثٌ فَإِذَا نَوَى الطَّهَارَةَ بِذَلِكَ تَضَمَّنَتْ نِيَّتُهُ رَفْعَ الْحَدَثِ".
الشرح:هَذَانِ الْوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ وَدَلِيلُهُمَا مَا ذَكَرَهُ، وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ، مِمَّنْ صَحَّحَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي كِتَابِهِ شَرْحِ الْفُرُوعِ وَالْبَغَوِيُّ وَالرُّويَانِيُّ فِي كِتَابِهِ الْكَافِي وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ، وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الْمُخْتَصَرَاتِ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ أَصْحَابِنَا، وَصَحَّحَ جَمَاعَةٌ الصِّحَّةَ مِنْهُمْ ابْنُ الْحَدَّادِ وَالْفُورَانِيُّ وَالشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي الْفُرُوقِ وَوَلَدُهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي كِتَابِهِ مُخْتَصَرِ النِّهَايَةِ، وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ تَوَضَّأَ لِمَا لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الطَّهَارَةُ لَا يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَالْجُلُوسُ فِي الْمَسْجِدِ وَالْأَذَانُ وَالتَّدْرِيسُ وَزِيَارَةُ قَبْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَاتٍ وَقِرَاءَةُ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَدِرَاسَةُ الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ، فَفِي كُلِّ هَذِهِ الصُّوَرِ الْوَجْهَانِ، ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ: وَمِمَّا لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الْوُضُوءُ دُخُولُ السُّوقِ، وَالسَّلَامُ عَلَى الْأَمِيرِ، وَلُبْسُ الثَّوْبِ، وَالصِّيَامُ، وَعَقْدُ الْبَيْعِ، وَالنِّكَاحُ، وَالْخُرُوجُ إلَى السَّفَرِ، وَلِقَاءُ الْقَادِمِ، قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: وَكَذَا زِيَارَةُ الْوَالِدَيْنِ. قَالَ الْبَغَوِيّ: وَكَذَا عِيَادَةُ: الْمَرِيضِ وَزِيَارَةُ الصَّدِيقِ وَالنَّوْمُ وَالْأَكْلُ. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ فِي النَّوْمِ غَيْرُ مَقْبُولٍ بَلْ يُسْتَحَبُّ الْوُضُوءُ لِلنَّوْمِ. مِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا الْمَحَامِلِيُّ فِي اللُّبَابِ وَدَلِيلُهُ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ مِنْهَا حَدِيثُ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنهما قَالَ:"قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إذَا أَتَيْت مَضْجَعَك فَتَوَضَّأْ وُضُوءَك لِلصَّلَاةِ ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّك الْأَيْمَنِ وَقُلْ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْت نَفْسِي إلَيْكَ"إلَى آخِرِ الْحَدِيثِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
وَلَوْ نَوَى تَجْدِيدَ الْوُضُوءِ أَوْ نَوَى الْجُنُبُ غُسْلًا مَسْنُونًا فَفِي ارْتِفَاعِ حَدَثِهِ طَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِيمَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الطَّهَارَةُ وَبِهَذَا قَطَعَ الْمَاوَرْدِيُّ. والثاني: وَهُوَ الْمَذْهَبُ: الْقَطْعُ بِأَنَّهُ لَا يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ وَجَنَابَتُهُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الطَّهَارَةَ لَيْسَ اسْتِحْبَابُهَا بِسَبَبِ الْحَدَثِ، فَلَا يَتَضَمَّنُ رَفْعَهُ بِخِلَافِ الطَّهَارَةِ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَشِبْهِهَا. وَلَوْ نَوَى الْجُنُبُ الْغُسْلَ لِقِرَاءَةِ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَوْ الْمُرُورِ فِي الْمَسْجِدِ فَفِي ارْتِفَاعِ جَنَابَتِهِ الْوَجْهَانِ اللَّذَانِ فِي الْمُحْدِثِ، قَالَ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ: وَكَذَا لَوْ نَوَى الْمُحْدِثُ الْوُضُوءَ لِلْعُبُورِ فِي الْمَسْجِدِ فَفِيهِ الْوَجْهَانِ
قَالَ المصنف رحمه الله تعالى:"وَإِنْ نَوَى بِطَهَارَتِهِ رَفْعَ الْحَدَثِ وَالتَّبَرُّدَ وَالتَّنْظِيفَ صَحَّ وُضُوءُهُ عَلَى الْمَنْصُوصِ فِي الْبُوَيْطِيِّ؛ لِأَنَّهُ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ وَضَمَّ إلَيْهِ مَا لَا يُنَافِيهِ، وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: لَا يَصِحُّ وُضُوءُهُ لِأَنَّهُ أَشْرَكَ فِي النِّيَّةِ بَيْنَ الْقُرْبَةِ وَغَيْرِهَا".
الشرح:هَذَا الَّذِي نَقَلَهُ عَنْ النَّصِّ هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ، صَحَّحَهُ الْأَصْحَابُ وَقَطَعَ بِهِ جَمَاعَاتٌ، مِنْهُمْ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ وَالْقَفَّالُ وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالْفُورَانِيُّ وَالْمَحَامِلِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمْ، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ مَحْكِيٌّ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ وَضَعَّفُوا تَعْلِيلَهُ