ج / 9 ص -51- باب الصيد والذبائح
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَلَا يَحِلُّ شَيْءٌ مِنْ الْحَيَوَانِ الْمَأْكُولِ سِوَى السَّمَكِ وَالْجَرَادِ إلَّا بِذَكَاةٍ لقوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ} وَيَحِلُّ السَّمَكُ وَالْجَرَادُ مِنْ غَيْرِ ذَكَاةٍ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:"أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ السَّمَكُ وَالْجَرَادُ"وَلِأَنَّ ذَكَاتَهُمَا لَا تُمْكِنُ فِي الْعَادَةِ فَسَقَطَ اعْتِبَارُهَا.
الشرح: هَذَا الْحَدِيثُ سَبَقَ بَيَانُهُ وَاضِحًا فِي بَابِ الْأَطْعِمَةِ وَذَكَرْنَا أَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ هُوَ الْقَائِلُ"أُحِلَّتْ لَنَا"وَأَنَّهُ يَكُونُ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ مَرْفُوعًا، وَالْمَيْتَةُ مَا فَارَقَتْ الْحَيَاةَ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ، وقوله تعالى: {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ } [المائدة: من الآية3] أَيْ مَا ذُبِحَ لِصَنَمٍ وَنَحْوِهِ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذَا وَاضِحًا فِي بَابِ الْأُضْحِيَّةِ وَالْمَوْقُوذَةُ الْمَضْرُوبَةُ بِعَصًا وَنَحْوِهَا، وَالْمُتَرَدِّيَةُ الَّتِي تَسْقُطُ مِنْ عُلُوٍّ فَتَمُوتُ، وَالنَّطِيحَةُ الْمَنْطُوحَةُ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: لَا يَحِلُّ شَيْءٌ مِنْ الْحَيَوَانِ الْمَأْكُولِ سِوَى السَّمَكِ وَالْجَرَادِ إلَّا بِذَكَاةٍ كَلَامٌ صَحِيحٌ، وَلَا يَرِدُ الصَّيْدُ الَّذِي قَتَلَتْهُ جَارِحَةٌ أَوْ سَهْمٌ، فَإِنَّ ذَلِكَ ذَكَاتُهُ، وَكَذَا الْجَنِينُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، فَإِنَّ ذَكَاةَ أُمِّهِ ذَكَاةٌ لَهُ كَمَا جَاءَ بِهِ الْحَدِيثُ، وَقَدْ أَوْضَحَهُ الْمُصَنِّفُ فِي أَوَاخِرِ هَذَا الْبَابِ، وَكَذَا الْحَيَوَانُ الَّذِي تَرَدَّى فِي بِئْرٍ أَوْ بَنْدٍ، فَإِنَّهُ يُقْتَلُ حَيْثُ أَمْكَنَ وَذَلِكَ ذَكَاةٌ لَهُ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ هَذَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ غَيْرِ السَّمَكِ وَالْجَرَادِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى إبَاحَةِ السَّمَكِ وَالْجَرَادِ، وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ الْحَيَوَانِ غَيْرُ السَّمَكِ وَالْجَرَادِ إلَّا بِذَكَاةٍ أَوْ مَا فِي مَعْنَى الذَّكَاةِ، كَمَا ذَكَرْنَا، فَلَوْ ابْتَلَعَ عُصْفُورًا حَيًّا فَهُوَ حَرَامٌ بِلَا خِلَافٍ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي الْأَطْعِمَةِ. وَلَوْ ذَكَّى الْحَيَوَانَ وَلَهُ يَدٌ شَلَّاءُ فَهَلْ تَحِلُّ بِالذَّكَاةِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ الصحيح: الْحِلُّ والثاني: أَنَّهَا مَيْتَةٌ فَلَا تَحِلُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
أَمَّا السَّمَكُ وَالْجَرَادُ فَحَلَالٌ، وَمَيْتَتُهُمَا حَلَالٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَا حَاجَةَ إلَى ذَبْحِهِ وَلَا قَطْعِ رَأْسِ الْجَرَادِ، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَيُكْرَهُ ذَبْحُ السَّمَكِ إلَّا أَنْ يَكُونَ كَبِيرًا يَطُولُ بَقَاؤُهُ فَوجهان أصحهما: يُسْتَحَبُّ ذَبْحُهُ رَاحَةً لَهُ والثاني: يُسْتَحَبُّ تَرْكُهُ لِيَمُوتَ بِنَفْسِهِ. وَلَوْ صَادَ مَجُوسِيٌّ سَمَكَةً حَلَّتْ بِلَا خِلَافٍ، لِأَنَّ مَيْتَتَهَا حَلَالٌ، وَلَوْ ابْتَلَعَ سَمَكَةً حَيَّةً أَوْ قَطَعَ فِلْقَةً مِنْهَا وَأَكَلَهَا أَوْ ابْتَلَعَ جَرَادَةً حَيَّةً أَوْ فِلْقَةً مِنْهَا فَوجهان أصحهما: يُكْرَهُ وَلَا يَحْرُمُ والثاني: يَحْرُمُ، وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ، وَلَوْ وُجِدَتْ سَمَكَةٌ فِي جَوْفِ سَمَكَةٍ فَهُمَا حَلَالٌ كَمَا لَوْ مَاتَتْ حَتْفَ أَنْفِهَا، بِخِلَافِ مَا لَوْ ابْتَلَعَتْ عُصْفُورًا أَوْ غَيْرَهُ فَوُجِدَ فِي جَوْفِهَا مَيِّتًا، فَإِنَّهُ حَرَامٌ بِلَا خِلَافٍ، وَلَوْ تَقَطَّعَتْ سَمَكَةٌ فِي جَوْفِ سَمَكَةٍ وَتَغَيَّرَ لَوْنُهَا لَمْ تَحِلَّ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ لِأَنَّهَا كَالرَّوْثِ وَالْقَيْءِ، وَلَوْ قَلَى السَّمَكَ قَبْلَ مَوْتِهَا وَطَرَحَهَا فِي الزَّيْتِ الْمَغْلِيِّ وَهِيَ تَضْطَرِبُ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: لَا يَحِلُّ فِعْلُهُ، لِأَنَّهُ تَعْذِيبٌ، وَهَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى اخْتِيَارِهِ فِي ابْتِلَاعِ السَّمَكَةِ حَيَّةً أَنَّهُ حَرَامٌ، فَإِنْ قُلْنَا بِكَرَاهَةِ ذَلِكَ فَلَا يَحْرُمُ، فَكَذَا هَذَا.