ج / 8 ص -282- الْحَمْلُ عَلَى الْمَعْهُودِ تَعَيَّنَ لِلْمَسَاكِينِ وَإِلَّا فَلَا، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
فرع: قَالَ أَصْحَابُنَا: تَطْيِيبُ الْكَعْبَةِ وَسِتْرُهَا مِنْ الْقُرُبَاتِ، سَوَاءٌ سِتْرُهَا بِالْحَرِيرِ وَغَيْرُهُ، وَلَوْ نَذَرَ سِتْرَهَا أَوْ تَطْيِيبَهَا صَحَّ نَذْرُهُ بِلَا خِلَافٍ. أَمَّا إذَا نَذَرَ هَدْيًا لِرِتَاجِ الْكَعْبَةِ وَطِيبِهَا فَقَالَ الشَّيْخُ إبْرَاهِيمُ الْمَرْوَرُوذِيُّ وَغَيْرُهُ: يَنْقُلُهُ وَيُسَلِّمُهُ إلَى الْقَيِّمِ لِيَصْرِفَهُ فِي الْجِهَةِ الْمَذْكُورَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ نَوَى، أَوْ نَصَّ فِي نَذْرِهِ أَنْ يَتَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ فَيَلْزَمُهُ. أَمَّا إذَا نَذَرَ تَطْيِيبَ مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ أَوْ الْأَقْصَى أَوْ غَيْرِهِمَا فَفِي انْعِقَادِ نَذْرِهِ تَرَدُّدٌ لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ، وَمَالَ الْإِمَامُ إلَى تَخْصِيصِ الِانْعِقَادِ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَالْمُخْتَارُ الصِّحَّةُ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ؛ لِأَنَّ تَطْيِيبَهَا سُنَّةٌ مَقْصُودَةٌ، فَلَزِمَتْ بِالنَّذْرِ كَسَائِرِ الطَّاعَاتِ.
فرع: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَنْ نَذَرَ هَدْيًا مُطْلَقًا لَزِمَهُ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ مَا يُجْزِئُهُ فِي الْأُضْحِيَّةِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَقَالَ دَاوُد: مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ هَدْيٍ، وَهُوَ قَوْلُنَا الْآخَرُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَإِنْ نَذَرَ صَلَاةً لَزِمَهُ رَكْعَتَانِ فِي أَظْهَرِ الْقَوْلَيْنِ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ صَلَاةٍ وَاجِبَةٍ فِي الشَّرْعِ رَكْعَتَانِ، فَحُمِلَ النَّذْرُ عَلَيْهِ، وَتَلْزَمُهُ رَكْعَةٌ فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ، لِأَنَّ الرَّكْعَةَ صَلَاةٌ فِي الشَّرْعِ وَهِيَ الْوِتْرُ فَلَزِمَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ نَذَرَ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدٍ غَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ، وَهِيَ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ وَمَسْجِدُ الْمَدِينَةِ وَالْمَسْجِدُ الْأَقْصَى، جَازَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي غَيْرِهِ، لِأَنَّ مَا سِوَى الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ فِي الْحُرْمَةِ وَالْفَضِيلَةِ وَاحِدٌ، فَلَمْ يَتَعَيَّنْ بِالنَّذْرِ، وَإِنْ نَذَرَ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لَزِمَهُ فِعْلُهَا فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَخْتَصُّ بِالنَّذْرِ، وَالصَّلَاةُ فِيهِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي غَيْرِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْمَسَاجِدِ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ صَلَاةٍ فِي مَسْجِدِي هَذَا"فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسْقِطَ مَا نَذَرَهُ بِالصَّلَاةِ فِي غَيْرِهِ. وَإِنْ نَذَرَ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ أَوْ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى فَفِيهِ قَوْلَانِ:
أحدهما: يَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ وَرَدَ الشَّرْعُ فِيهِ بِشَدِّ الرِّحَالِ إلَيْهِ فَأَشْبَهَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ والثاني: لَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ قَصْدُهُ بِالنُّسُكِ فَلَا تَتَعَيَّنُ الصَّلَاةُ فِيهِ بِالنَّذْرِ كَسَائِرِ الْمَسَاجِدِ. فَإِنْ قُلْنَا يَلْزَمُهُ فَصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَجْزَأَهُ عَنْ النَّذْرِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ فَسَقَطَ بِهِ فَرْضُ النَّذْرِ، وَإِنْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى فَصَلَّى فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ أَجْزَأَهُ، لِمَا رَوَى جَابِرٌ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلًا قَالَ:"يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي نَذَرْت إنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْك مَكَّةَ أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ رَكْعَتَيْنِ، فَقَالَ: صَلِّ هَهُنَا، فَأَعَادَ عَلَيْهِ فَقَالَ: صَلِّ هَهُنَا ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ فَقَالَ: شَأْنَكَ"وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ فِيهِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَسَقَطَ بِهِ فَرْضُ النَّذْرِ.
الشرح: أَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ فَرَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي"مُسْنَدِهِ"وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَسَبَقَ بَيَانُهُ فِي أَوَاخِرِ بَابِ صِفَةِ الْحَجِّ فِي مَسْأَلَةِ اسْتِحْبَابِ دُخُولِ الْبَيْتِ وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَصَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي"سُنَنِهِ"بِلَفْظِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم:"شَأْنَكَ"هُوَ مَنْصُوبٌ أَيْ الْزَمْ شَأْنَكَ، فَإِنْ شِئْت أَنْ تَفْعَلَهُ فَافْعَلْهُ. وَقَوْلُهُ:"وَوَرَدَ الشَّرْعُ بِشَدِّ الرِّحَالِ إلَيْهِ"احْتِرَازٌ مِنْ غَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ، وَفِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ إحْدَاهُمَا: فَتْحُ الْمِيمِ وَإِسْكَانُ الْقَافِ وَكَسْرُ الدَّالِ وَالثَّانِيَةُ: ضَمُّ الْمِيمِ وَفَتْحُ الْقَافِ وَالدَّالِ الْمُشَدَّدَةِ.