ج / 8 ص -264- الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي"صَحِيحَيْهِمَا"بِهَذَا اللَّفْظِ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"لَا تَنْذِرُوا فَإِنَّ النَّذْرَ لَا يُغْنِي مِنْ الْقَدَرِ شَيْئًا، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنْ الْبَخِيلِ"رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ كَرِهُوا النَّذْرَ، قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: الْكَرَاهَةُ فِي النَّذْرِ فِي الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ، قَالَ: فَإِنْ نَذَرَ طَاعَةً وَوَفَّى بِهِ فَلَهُ أَجْرُ الْوَفَاءِ، وَيُكْرَهُ لَهُ النَّذْرُ، هَذَا كَلَامُ التِّرْمِذِيِّ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَلَا يَصِحُّ النَّذْرُ إلَّا بِالْقَوْلِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: لِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا، فَإِنْ قَالَ: عَلَيَّ كَذَا وَلَمْ يَقُلْ لِلَّهِ صَحَّ؛ لِأَنَّ التَّقَرُّبَ لَا يَكُونُ إلَّا لِلَّهِ تَعَالَى، فَحُمِلَ الْإِطْلَاقُ عَلَيْهِ وَقَالَ فِي"الْقَدِيمِ": إذَا أَشْعَرَ بَدَنَةً أَوْ قَلَّدَهَا وَنَوَى أَنَّهَا هَدْيٌ أَوْ أُضْحِيَّةٌ، صَارَ هَدْيًا أَوْ أُضْحِيَّةً، لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم:"أَشْعَرَ بَدَنَةً وَقَلَّدَهَا"وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ قَالَ: إنَّهَا هَدْيٌ، فَصَارَتْ هَدْيًا. وَخَرَّجَ أَبُو الْعَبَّاسَ وَجْهًا آخَرَ أَنَّهُ يَصِيرُ هَدْيًا وَأُضْحِيَّةً بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، وَمَنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: إذَا ذَبَحَ وَنَوَى صَارَ هَدْيًا وَأُضْحِيَّةً، وَالصَّحِيحُ هُوَ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ إزَالَةُ مِلْكٍ يَصِحُّ بِالْقَوْلِ، فَلَمْ يَصِحَّ بِغَيْرِ الْقَوْلِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، كَالْوَقْفِ وَالْعِتْقِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَتَبَ عَلَى دَارٍ أَنَّهَا وَقْفٌ أَوْ عَلَى فَرَسٍ أَنَّهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَمْ يَصِرْ وَقْفًا فَكَذَلِكَ هَاهُنَا.
الشرح: قَوْلُهُ:"إزَالَةُ مِلْكٍ يَصِحُّ بِالْقَوْلِ"احْتِرَازٌ مِنْ تَفْرِقَةِ الزَّكَاةِ وَالْإِطْعَامِ وَالْكِسْوَةِ فِي الْكَفَّارَةِ وَقَوْلُهُ: مَعَ الْقُدْرَةِ احْتِرَازٌ مِنْ الْأَخْرَسِ، وَهَذَا الْقِيَاسُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ يُنْتَقَضُ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ بِالْكَتْبِ وَالنِّيَّةِ. فَإِنَّهُ إزَالَةُ مِلْكٍ يَصِحُّ بِالْقَوْلِ، وَيَصِحُّ بِغَيْرِ الْقَوْلِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُزَادَ فِي الْقُيُودِ فَيُقَالُ: إزَالَةُ مِلْكٍ عَنْ مَالٍ. قَالَ أَصْحَابُنَا: يَصِحُّ النَّذْرُ بِالْقَوْلِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، كَمَا يَصِحُّ الْوَقْفُ وَالْعِتْقُ بِاللَّفْظِ بِلَا نِيَّةٍ، وَهَلْ يَصِحُّ بِالنِّيَّةِ مِنْ غَيْرِ قَوْلٍ أَوْ بِالْإِشْعَارِ أَوْ التَّقْلِيدِ أَوْ الذَّبْحِ مَعَ النِّيَّةِ؟ فِيهِ الْخِلَافُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ الصَّحِيحُ: بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إلَّا بِالْقَوْلِ، وَلَا تَنْفَعُ النِّيَّةُ وَحْدَهَا، وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ وَاضِحَةً فِي بَابِ الْهَدْيِ.
وَالْأَكْمَلُ فِي صِيغَةِ النَّذْرِ أَنْ يَقُولَ مَثَلًا: إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي فَلِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا، فَلَوْ قَالَ: فَعَلَيَّ هَذَا وَلَمْ يَقُلْ لِلَّهِ، فَطَرِيقَانِ الْمَذْهَبُ: وَبِهِ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ صِحَّتُهُ، لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ والثاني: فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ، الصَّحِيحُ مِنْهُمَا صِحَّةُ نَذْرِهِ والثاني: لَا يَصِحُّ إلَّا بِالتَّصْرِيحِ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ الْوَجْهِ الضَّعِيفِ فِي وُجُوبِ إضَافَةِ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ إلَى اللَّهِ.
فرع: لَوْ قَالَ: إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي فَلِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ، أَوْ إنْ شَاءَ زَيْدٌ فَشُفِيَ، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ شَاءَ زَيْدٌ، كَمَا لَوْ عَقَّبَ الْأَيْمَانَ وَالطَّلَاقَ وَالْعُقُودَ بِقَوْلِهِ: إنْ شَاءَ اللَّهُ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَيَجِبُ بِالنَّذْرِ جَمِيعُ الطَّاعَاتِ الْمُسْتَحَبَّةِ، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ"وَأَمَّا الْمَعَاصِي كَالْقَتْلِ وَالزِّنَا، وَصَوْمِ يَوْمِ الْعِيدِ، وَأَيَّامِ الْحَيْضِ، وَالتَّصَدُّقِ بِمَا لَا يَمْلِكُهُ، فَلَا يَصِحُّ نَذْرُهُ، لِمَا رَوَى عِمْرَانُ بْنُ الْحُصَيْنِ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ:"لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ"