ج / 8 ص -224- أَبِي دَاوُد الْمَعْزُ، وَلَكِنَّهُ مَعْلُومٌ مِنْ قَوْلِهِ: عَتُودٌ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ مُتَعَيِّنٌ، وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا فِي إجْزَاءِ جَذَعِ الضَّأْنِ بِحَدِيثِ جَابِرٍ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ، وَهُوَ صَحِيحٌ كَمَا سَبَقَ"وَقَدْ جَاءَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ بِمَعْنَاهُ، ذَكَرَهَا الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ."
فرع: إنْ قُبِلَ: ظَاهِرُ حَدِيثِ جَابِرٍ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ أَنَّ الْجَذَعَةَ مِنْ الضَّأْنِ لَا تُجْزِئُ إلَّا إذَا عَجَزَ عَنْ الْمُسِنَّةِ قُلْنَا: هَذَا مِمَّا يَجِبُ تَأْوِيلُهُ"لِأَنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى خِلَافِ ظَاهِرِهِ كَمَا سَبَقَ، فَإِنَّهُمْ كُلُّهُمْ جَوَّزُوا جَذَعَ الضَّأْنِ إلَّا مَا سَبَقَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَالزُّهْرِيِّ وَأَنَّهُ لَا يُجْزِئُ، سَوَاءٌ قَدَرَ عَلَى مُسِنَّةٍ أَمْ لَا، فَيُحْمَلُ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى الْأَفْضَلِ وَالْأَكْمَلِ، وَيَكُونُ تَقْدِيرُهُ: مُسْتَحَبٌّ لَكُمْ أَنْ لَا تَذْبَحُوا إلَّا مُسِنَّةً، فَإِنْ عَجَزْتُمْ فَجَذَعَةُ ضَأْنٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ."
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَالْبَدَنَةُ أَفْضَلُ مِنْ الْبَقَرِ لِأَنَّهَا أَعْظَمُ، وَالْبَقَرَةُ أَفْضَلُ مِنْ الشَّاةِ لِأَنَّهَا بِسَبْعٍ مِنْ الْغَنَمِ، وَالشَّاةُ أَفْضَلُ مِنْ مُشَارَكَةِ سَبْعَةٍ فِي بَدَنَةٍ أَوْ بَقَرَةٍ لِأَنَّهُ يَنْفَرِدُ بِإِرَاقَةِ الدَّمِ وَالضَّأْنُ أَفْضَلُ مِنْ الْمَعْزِ، لِمَا رَوَى عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"خَيْرُ الْأُضْحِيَّةِ الْكَبْشُ الْأَقْرَنُ"وَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ"لَأَنْ أُضَحِّيَ بِالْجَذَعِ مِنْ الضَّأْنِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُضَحِّيَ بِالْمُسِنَّةِ مِنْ الْمَعْزِ"وَلِأَنَّ لَحْمَ الضَّأْنِ أَطْيَبُ، وَالسَّمِينَةُ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِ السَّمِينَةِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قوله تعالى: {وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ} [الحج: 32] قَالَ:"تَعْظِيمُهَا اسْتِسْمَانُهَا وَاسْتِحْسَانُهَا". وَخَطَبَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ قَالَ:"ثَنِيًّا فَصَاعِدًا وَاسْتَسْمِنْ. فَإِنْ أَكَلْت أَكَلْت طَيِّبًا، وَإِنْ أَطْعَمْت أَطْعَمْت طَيِّبًا، وَالْبَيْضَاءُ أَفْضَلُ مِنْ الْغَبْرَاءِ وَالسَّوْدَاءِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ وَالْأَمْلَحُ الْأَبْيَضُ"وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ:"دَمُ الْبَيْضَاءِ فِي الْأُضْحِيَّةِ أَفْضَلُ مِنْ دَمِ سَوْدَاوَيْنِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَعْظِيمُهَا اسْتِحْسَانُهَا، وَالْبِيضُ أَحْسَنُ".
الشرح: حَدِيثُ عِبَادَةَ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ هُنَا وَفِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ، وَهُوَ بَعْضُ حَدِيثٍ، وَرَوَاهُ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي أُمَامَةَ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ وأما: حَدِيثُ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم:"ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ"فَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ. وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مَوْقُوفًا عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ قَالَ: وَرُوِيَ مَرْفُوعًا، قَالَ الْبُخَارِيُّ: لَا يَصِحُّ رَفْعُهُ.
أما الأحكام: فَفِيهَا مَسَائِلُ:
إحداها: الْبَدَنَةُ أَفْضَلُ مِنْ الْبَقَرَةِ وَالْبَقَرَةُ أَفْضَلُ مِنْ الشَّاةِ وَالضَّأْنُ أَفْضَلُ مِنْ الْمَعْزِ، وَجَذَعَةُ الضَّأْنِ أَفْضَلُ مِنْ ثَنِيَّةِ الْمَعْزِ، لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَهَذَا كُلُّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَنَا.
الثَّانِيَةُ: التَّضْحِيَةُ بِشَاةٍ أَفْضَلُ مِنْ الْمُشَارَكَةِ بِسُبْعِ بَدَنَةٍ أَوْ بِسُبْعِ بَقَرَةٍ بِالِاتِّفَاقِ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَسَبْعٌ مِنْ الْغَنَمِ أَفْضَلُ مِنْ بَدَنَةٍ أَوْ بَقَرَةٍ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ لِكَثْرَةِ إرَاقَةِ الدَّمِ والثاني: أَنَّ الْبَدَنَةَ أَوْ الْبَقَرَةَ أَفْضَلُ لِكَثْرَةِ اللَّحْمِ.
الثَّالِثَةُ: يُسْتَحَبُّ التَّضْحِيَةُ بِالْأَسْمَنِ الْأَكْمَلِ، قَالَ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ: حَتَّى إنَّ التَّضْحِيَةَ بِشَاةٍ سَمِينَةٍ أَفْضَلُ مِنْ شَاتَيْنِ دُونَهَا، قَالُوا: وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله: اسْتِكْثَارُ الْقِيمَةِ فِي الْأُضْحِيَّةِ أَفْضَلُ مِنْ