ج / 6 ص -326- وَإِنْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي مَسْجِدٍ غَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ، وَهِيَ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ وَمَسْجِدُ الْمَدِينَةِ وَالْمَسْجِدُ الْأَقْصَى جَازَ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا مَزِيَّةَ لِبَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ فَلَمْ تَتَعَيَّنْ. وَإِنْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، لَزِمَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ فِيهِ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ رضي الله عنه قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"إنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. قَالَ: أَوْفِ بِنَذْرِكَ"وَلِأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ سَائِرِ الْمَسَاجِدِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْقُطَ فَرْضُهُ بِمَا دُونَهُ، وَإِنْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ أَوْ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى فَفِيهِ قَوْلَانِ: أحدهما: يَلْزَمُهُ أَنْ يَعْتَكِفَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مَسْجِدٌ وَرَدَ الشَّرْعُ بِشَدِّ الرِّحَالِ إلَيْهِ فَتَعَيَّنَ بِالنَّذْرِ كَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. والثاني: لَا يَتَعَيَّنُ؛ لِأَنَّهُ مَسْجِدٌ لَا يَجِبُ قَصْدُهُ بِالشَّرْعِ، فَلَمْ يَتَعَيَّنْ بِالنَّذْرِ كَسَائِرِ الْمَسَاجِدِ"."
الشرح: حَدِيثُ عُمَرَ رضي الله عنه رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَسُمِّيَ الْجَامِعَ لِجَمْعِهِ النَّاسَ وَاجْتِمَاعِهِمْ فِيهِ، وَالزُّهْرِيُّ أَبُو بَكْرٍ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شِهَابِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ زُهْرَةَ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ الْقُرَشِيُّ الزُّهْرِيُّ الْمَدَنِيُّ التَّابِعِيُّ، الْإِمَامُ فِي فُنُونِ [الْحَدِيثِ] ، وَقَدْ يُنْكَرُ عَلَى الْمُصَنِّفِ اسْتِدْلَالُهُ بِحَدِيثِ عُمَرَ فَإِنَّهُ نَذَرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ النَّذْرَ الْجَارِي فِي الْكُفْرِ لَا يَنْعَقِدُ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَفِي الْفَصْلِ مَسَائِلُ:
إحداها: لَا يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ مِنْ الرَّجُلِ وَلَا مِنْ الْمَرْأَةِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ، وَلَا يَصِحُّ فِي مَسْجِدِ بَيْتِ الْمَرْأَةِ وَلَا مَسْجِدِ بَيْتِ الرَّجُلِ وَهُوَ الْمُعْتَزَلُ الْمُهَيَّأُ لِلصَّلَاةِ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ. وَحَكَى الْخُرَاسَانِيُّونَ وَبَعْضُ الْعِرَاقِيِّينَ فِيهِ قَوْلَيْنِ: أصحهما: وَهُوَ الْجَدِيدُ هَذَا.
والثاني: وَهُوَ الْقَدِيمُ يَصِحُّ اعْتِكَافُ الْمَرْأَةِ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا، وَقَدْ أَنْكَرَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَجَمَاعَةٌ هَذَا الْقَوْلَ. قَالُوا: وَلَا يَصِحُّ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا قَوْلًا وَاحِدًا، وَغَلَّطُوا مَنْ نَقَلَ فِيهِ قَوْلَيْنِ وَحَكَى جَمَاعَاتٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ أَنَّا إذَا قُلْنَا بِالْقَدِيمِ إنَّهُ يَصِحُّ اعْتِكَافُهَا فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا فَفِي صِحَّةِ اعْتِكَافِ الرَّجُلِ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهِ وَجْهَانِ: أصحهما: لَا يَصِحُّ. قَالَ أَصْحَابُنَا: فَإِذَا قُلْنَا بِالْجَدِيدِ، فَكُلُّ امْرَأَةٍ كُرِهَ خُرُوجُهَا إلَى الْجَمَاعَةِ، كُرِهَ خُرُوجُهَا لِلِاعْتِكَافِ وَمَنْ لَا فَلَا.
الثانية: يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ، وَالْجَامِعُ أَفْضَلُ؛ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْأَصْحَابُ: وَأَوْمَأَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ إلَى اشْتِرَاطِ الْجَامِعِ وَهُوَ غَرِيبٌ ضَعِيفٌ، وَالصَّوَابُ جَوَازُهُ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ. قَالَ أَصْحَابُنَا: وَيَصِحُّ الِاعْتِكَافُ فِي سَطْحِ الْمَسْجِدِ وَرَحْبَتِهِ بِلَا خِلَافٍ، لِأَنَّهُمَا مِنْهُ.
الثالثة: إذَا نَذَرَ الِاعْتِكَافَ فِي مَسْجِدٍ بِعَيْنِهِ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ: وَهِيَ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ، وَمَسْجِدُ الْمَدِينَةِ، وَالْمَسْجِدُ الْأَقْصَى، لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَى الْمَذْهَبِ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجَمَاهِيرُ.
وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَآخَرُونَ: فِي تَعْيِينِهِ قَوْلَانِ. وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْمُتَوَلِّي وَآخَرُونَ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ: فِي تَعْيِينِهِ وَجْهَانِ أصحهما: عِنْدَ جُمْهُورِهِمْ لَا يَتَعَيَّنُ لِلِاعْتِكَافِ كَمَا لَا يَتَعَيَّنُ لِلصَّلَاةِ لَوْ نَذَرَهَا فِيهِ الثاني: يَتَعَيَّنُ. قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَهُوَ ظَاهِرُ النَّصِّ؛ لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ حَقِيقَةً الِانْكِفَافَ فِي