ج / 6 ص -314- فَرْعٌ فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي صَوْمِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ
قَدْ ذَكَرْنَا مَذْهَبَنَا فِيهَا، وَأَنَّ الْجَدِيدَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ فِيهَا صَوْمٌ (وَالْقَدِيمُ) صِحَّتُهُ لِمُتَمَتِّعٍ لَمْ يَجِدْ الْهَدْيَ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ مِنْ السَّلَفِ الْعُلَمَاءِ بِامْتِنَاعِ صَوْمِهَا لِلْمُتَمَتِّعِ وَلِغَيْرِهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَدَاوُد وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَهُوَ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ جَوَازَ صَوْمِهَا لِلْمُتَمَتِّعِ وَغَيْرِهِ عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَامّ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ سِيرِينَ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَعَائِشَةُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: يَجُوزُ لِلْمُتَمَتِّعِ صَوْمُهَا. .
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَصُومَ فِي رَمَضَانَ عَنْ غَيْرِ رَمَضَانَ حَاضِرًا كَانَ أَوْ مُسَافِرًا، فَإِنْ صَامَ عَنْ غَيْرِهِ لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ عَنْ رَمَضَانَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِهِ، وَلَا يَصِحُّ عَمَّا نَوَى لِأَنَّ الزَّمَانَ مُسْتَحِقٌّ لِصَوْمِ رَمَضَانَ، فَلَا يَصِحُّ فِيهِ غَيْرُهُ".
الشرح: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ كَمَا قَالَهَا الْمُصَنِّفُ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهَا مَبْسُوطَةً فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الصِّيَامِ فِي مَسَائِلِ النِّيَّةِ، وَذَكَرْنَا هُنَاكَ وَجْهًا شَاذًّا أَنَّهُ يَصِحُّ فِيهِ صَوْمُ التَّطَوُّعِ وَذَكَرْنَا بَعْدَهُ خِلَافَ أَبِي حَنِيفَةَ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَيُسْتَحَبُّ طَلَبُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ"وَيُطْلَبُ ذَلِكَ فِي لَيَالِي الْوِتْرِ مِنْ الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ فِي كُلِّ وِتْرٍ". قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى: وَاَلَّذِي يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ لَيْلَةَ إحْدَى وَعِشْرِينَ وَثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"أُرِيتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ ثُمَّ أُنْسِيتُهَا، وَرَأَيْتُنِي أَسْجُدُ فِي صَبِيحَتِهَا فِي مَاءٍ وَطِينٍ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَانْصَرَفَ عَلَيْنَا وَعَلَى جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ فِي صَبِيحَةِ يَوْمِ إحْدَى وَعِشْرِينَ"وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ ثُمَّ أُنْسِيتُهَا وَأُرَانِي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ فَمُطِرْنَا لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَإِنَّ أَثَرَ الْمَاءِ وَالطِّينِ عَلَى جَبْهَتِهِ"قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلَا أُحِبُّ تَرْكَ طَلَبِهَا فِيهَا كُلِّهَا، قَالَ أَصْحَابُنَا: إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، فَإِنْ كَانَ فِي رَمَضَانَ قَبْلَ مُضِيِّ لَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِي الْعَشْرِ حُكِمَ بِالطَّلَاقِ مِنْ اللَّيْلَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ الشَّهْرِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ مَضَتْ لَيْلَةٌ وَقَعَ الطَّلَاقُ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ فِي مِثْلِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ الَّتِي قَالَ فِيهَا ذَلِكَ، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ فِيهَا: اللَّهُمَّ إنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي، لِمَا رُوِيَ"أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إنْ وَافَقْتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ مَاذَا أَقُولُ؟ قَالَ تَقُولِينَ: اللَّهُمَّ إنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي"."
الشَّرْحُ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ الْأَوَّلُ، وَحَدِيثُهُ الثَّانِي رَوَاهَا كُلَّهَا الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَهُوَ أُنَيْسٍ - بِضَمِّ الْهَمْزَةِ - وَحَدِيثُ عَائِشَةَ رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَآخَرُونَ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَسَيَأْتِي فَرْعٌ مُسْتَقِلٌّ فِي ذِكْرِ جُمْلَةٍ مِنْ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْوَارِدَةِ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَمَعْنَى قِيَامِهَا إيمَانًا أَيْ