ج / 6 ص -165- قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَأَمَّا الصَّبِيُّ فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:"رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ: عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ"وَيُؤْمَرُ بِفِعْلِهِ لِسَبْعِ سِنِينَ إذَا أَطَاقَ الصَّوْمَ، وَيُضْرَبُ عَلَى تَرْكِهِ لِعَشْرٍ قِيَاسًا عَلَى الصَّلَاةِ، فَإِنْ بَلَغَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا تَرَكَهُ فِي حَالِ الصِّغَرِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ [عَلَيْهِ] ذَلِكَ لَوَجَبَ عَلَيْهِ أَدَاؤُهُ فِي الصِّغَرِ؛ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى فِعْلِهِ؛ وَلِأَنَّ أَيَّامَ الصِّغَرِ تَطُولُ، فَلَوْ أَوْجَبْنَا عَلَيْهِ مَا يَفُوتُ شَقَّ".
الشرح: هَذَا الْحَدِيثُ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيِّ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ مِنْ سُنَنِهِمَا مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضًا فِي الْحُدُودِ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنُ مَاجَهْ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ مِنْ رِوَايَةِ عَائِشَةَ رضي الله عنها بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. وَمَعْنَى رَفْعِ الْقَلَمِ امْتِنَاعُ التَّكْلِيفِ، لَا أَنَّهُ رُفِعَ بَعْدَ وَضْعِهِ. وَقَوْلُهُ - لَوَجَبَ عَلَيْهِ أَدَاؤُهُ - يُنْتَقَضُ بِالْمُسَافِرِ فَإِنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى الْأَدَاءِ وَلَا يَلْزَمُهُ وَيَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ، وَالدَّلِيلُ الصَّحِيحُ أَنْ يُقَالَ: زَمَنُ الصَّبِيِّ لَيْسَ زَمَنَ التَّكْلِيفِ لِلْحَدِيثِ، وَالْقَضَاءُ إنَّمَا يَجِبُ حَيْثُ يَجِبُ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ، وَلَمْ يَجِئْ فِيهِ أَمْرٌ جَدِيدٌ.
وَأَمَّا أَحْكَامُ الْفَصْلِ: فَلَا يَجِبُ صَوْمُ رَمَضَانَ عَلَى الصَّبِيِّ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا فَاتَ قَبْلَ الْبُلُوغِ بِلَا خِلَافٍ؛ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَذَكَرْتُهُ، قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ: وَإِذَا أَطَاقَ الصَّوْمَ وَجَبَ عَلَى الْوَلِيِّ أَنْ يَأْمُرَهُ بِهِ لِسَبْعِ سِنِينَ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مُمَيِّزًا، وَيَضْرِبَهُ عَلَى تَرْكِهِ لِعَشْرٍ؛ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالصَّبِيَّةُ كَالصَّبِيِّ فِي هَذَا كُلِّهِ بِلَا خِلَافٍ.
فرع: قَالَ أَصْحَابُنَا: شُرُوطُ صِحَّةِ الصَّوْمِ أَرْبَعَةٌ: النَّقَاءُ عَنْ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، وَالْإِسْلَامُ، وَالتَّمْيِيزُ، وَالْوَقْتُ الْقَابِلُ لِلصَّوْمِ، وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُهَا فِي مَوَاضِعِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَمَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِجُنُونٍ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:"وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ"فَإِنْ أَفَاقَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا فَاتَهُ [حَالَ] 1 الْجُنُونِ؛ لِأَنَّهُ صَوْمٌ فَاتَ فِي حَالٍ سَقَطَ فِيهِ التَّكْلِيفُ لِنَقْصٍ فَلَمْ يَجِبْ [قَضَاؤُهُ] ، كَمَا لَوْ فَاتَ فِي حَالِ الصِّغَرِ، وَإِنْ زَالَ عَقْلُهُ بِالْإِغْمَاءِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهُ فَإِنْ أَفَاقَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ؛ لقوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: من الآية184] وَالْإِغْمَاءُ مَرَضٌ وَيُخَالِفُ الْجُنُونَ فَإِنَّهُ نَقْصٌ، وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ الْجُنُونُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ وَيَجُوزُ عَلَيْهِمْ الْإِغْمَاءُ".
الشرح: هَذَا الْحَدِيثُ سَبَقَ بَيَانُهُ قَرِيبًا. وَقَوْلُهُ:"سَقَطَ فِيهِ التَّكْلِيفُ لِنَقْصٍ"احْتِرَازٌ مِنْ الْإِغْمَاءِ وَالْحَيْضِ.
أَمَّا الْأَحْكَامُ: فَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ إحداهما: الْمَجْنُونُ لَا يَلْزَمُهُ الصَّوْمُ فِي الْحَالِ بِالْإِجْمَاعِ لِلْحَدِيثِ وَلِلْإِجْمَاعِ، وَإِذَا أَفَاقَ لَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ مَا فَاتَهُ فِي الْجُنُونِ، سَوَاءٌ قَلَّ أَوْ كَثُرَ، وَسَوَاءٌ أَفَاقَ بَعْدَ رَمَضَانَ أَوْ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 كل ما بين المعقوفين ليس في ش و ق (ط) .