ج / 6 ص -158- وَالْخَازِنِ وَالْمَمْلُوكِ أَكْثَرَ بِحَسَبِ قَدْرِ الطَّعَامِ وَقَدْرِ التَّعَبِ فِي إنْفَاذِ الصَّدَقَةِ وَإِيصَالِهَا إلَى الْمَسَاكِينِ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
فرع: ثَبَتَ فِي"الصحيحين"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى"وَثَبَتَ فِي"الصحيحين"أَيْضًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"الْيَدُ الْعُلْيَا الْمُنْفِقَةُ، وَالْيَدُ السُّفْلَى السَّائِلَةُ"وَفِي رِوَايَةٍ فِي الْبُخَارِيِّ:"الْعُلْيَا الْمُنْفِقَةُ"وَعَقَدَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَسْأَلَةِ بَابًا.
فرع: يُكْرَهُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَسْأَلَ بِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرَ الْجَنَّةِ، وَيُكْرَهُ مَنْعُ مَنْ سَأَلَ بِاَللَّهِ وَتَشَفَّعَ بِهِ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ:"لَا تَسْأَلَنَّ بِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا الْجَنَّةَ"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَيْ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"مَنْ اسْتَعَاذَ بِاَللَّهِ فَأَعِيذُوهُ. وَمَنْ سَأَلَ بِاَللَّهِ فَأَعْطُوهُ، وَمَنْ دَعَاكُمْ فَأَجِيبُوهُ، وَمَنْ صَنَعَ إلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ فَادْعُوَا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ"حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيِّ بِإِسْنَادِ الصَّحِيحَيْنِ، وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ"فَأَثْنُوا عَلَيْهِ"بَدَلَ"فَادْعُوَا لَهُ".
فرع: إذَا عُرِضَ عَلَيْهِ مَالٌ مِنْ حَلَالٍ عَلَى وَجْهٍ يَجُوزُ أَخْذُهُ وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُ مَسْأَلَةٌ وَلَا تَطَلُّعٌ إلَيْهِ جَازَ أَخْذُهُ بِلَا كَرَاهَةٍ وَلَا يَجِبُ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ: يَجِبُ؛ لِحَدِيثِ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه قَالَ:"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُعْطِينِي الْعَطَاءَ فَأَقُولُ: أَعْطِهِ أَفْقَرَ مِنِّي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: خُذْهُ، وَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَأَنْتَ غَيْرُ سَائِلٍ وَلَا مُشْرِفٍ فَخُذْهُ وَمَا لَا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ، قَالَ: فَكَانَ سَالِمٌ لَا يَسْأَلُ أَحَدًا شَيْئًا وَلَا يَرُدُّ شَيْئًا أُعْطِيَهُ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
دَلِيلُنَا حَدِيثُ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رضي الله عنه قَالَ:"سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ قَالَ: يَا حَكِيمُ، إنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ وَكَانَ كَاَلَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى. قَالَ حَكِيمُ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَرْزَأُ أَحَدًا بَعْدَكَ شَيْئًا حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا. فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه يَدْعُوَا حَكِيمًا لِيُعْطِيَهُ الْعَطَاءَ فَيَأْبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ شَيْئًا. ثُمَّ إنَّ عُمَرَ رضي الله عنه دَعَاهُ لِيُعْطِيَهُ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهُ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، أُشْهِدُكُمْ عَلَى حَكِيمٍ أَنِّي أَعْرِضُ عَلَيْهِ حَقَّهُ الَّذِي قَسَمَ اللَّهُ لَهُ فِي هَذَا الْفَيْءِ فَيَأْبَى أَنْ يَأْخُذَهُ. فَلَمْ يَرْزَأْ حَكِيمٌ أَحَدًا مِنْ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى تُوُفِّيَ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. وَقَوْلُهُ"يَرْزَأُ"بِرَاءٍ ثُمَّ زَايٍ وَآخِرُهُ مَهْمُوزٌ - مَعْنَاهُ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا، وَأَصْلُ الرُّزْءِ النَّقْصُ، أَيْ لَمْ يَنْقُصْ أَحَدًا شَيْئًا بِالْأَخْذِ مِنْهُ، وَمَوْضِعُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَقَرَّهُ عَلَى هَذَا. وَكَذَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَسَائِرُ الصَّحَابَةِ الْحَاضِرِينَ رضي الله عنهم، وَحَدِيثُ عُمَرَ مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ وَالْإِبَاحَةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المائدة: من الآية2] وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.