ج / 6 ص -153- بِتَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ، قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي:"إذَا كَانَ غَنِيًّا عَنْ الْمَسْأَلَةِ بِمَالٍ أَوْ بِضَيْعَةٍ فَسُؤَالُهُ حَرَامٌ وَمَا يَأْخُذُهُ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ". هَذَا لَفْظُهُ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي كِتَابِ النَّفَقَاتِ فِي تَحْرِيمِ السُّؤَالِ عَلَى الْقَادِرِ عَلَى الْكَسْبِ وَجْهَانِ، قَالُوا: وَظَاهِرُ الْأَخْبَارِ تَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَهُوَ كَمَا قَالُوا، فَفِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ تَشْدِيدٌ أَكِيدٌ فِي النَّهْيِ عَنْ السُّؤَالِ، وَظَوَاهِرُ كَثِيرَةٌ تَقْتَضِي التَّحْرِيمَ وأما: السُّؤَالُ لِلْمُحْتَاجِ الْعَاجِزِ عَنْ الْكَسْبِ فَلَيْسَ بِحَرَامٍ وَلَا مَكْرُوهٍ، وَصَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
الرابعة: هَلْ تَحِلُّ صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ لِبَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ أصحهما: وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْأَكْثَرُونَ: تَحِلُّ والثاني: حَكَاهُ الْبَغَوِيّ وَآخَرُونَ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ فِيهِ قَوْلَانِ أصحهما: تَحِلُّ والثاني: تَحْرُمُ.
وأما: صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَفِيهَا قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ حَكَاهُمَا الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ إمَامُ الْعِرَاقِيِّينَ وَغَيْرُهُ، مِنْهُمْ الْقَفَّالُ وَالْمَرْوَزِيُّ إمَامُ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَغَيْرُهُمْ أصحهما: التَّحْرِيمُ، فَحَصَلَ فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ فِي حَقِّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَحَقِّ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ أصحها تَحِلُّ لَهُمْ دُونَهُ صلى الله عليه وسلم والثاني: لَهُمْ وَلَهُ والثالث: تَحْرُمُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
فرع: قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَا تَيَسَّرَ، وَلَا يَسْتَقِلُّهُ، وَلَا يَمْتَنِعُ مِنْ الصَّدَقَةِ بِهِ لِقِلَّتِهِ وَحَقَارَتِهِ، فَإِنْ قِيلَ: الْخَيْرُ كَثِيرٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَا قَبِلَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَبَارَكَ فِيهِ فَلَيْسَ هُوَ بِقَلِيلٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} [الزلزلة:7] وَفِي"الصحيحين"عَنْ عَدِّي بْنِ حَاتِمٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ"وَفِي"الصحيحين"أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:"قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"يَا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ، لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ"قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الْفِرْسِنُ مِنْ الْبَعِيرِ وَالشَّاةِ كَالْحَافِرِ مِنْ غَيْرِهِمَا، وَفِي الْمَسْأَلَةِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ مَشْهُورَةٌ."
فرع: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَخُصَّ بِصَدَقَتِهِ الصُّلَحَاءَ وَأَهْلَ الْخَيْرِ وَأَهْلَ الْمُرُوءَاتِ وَالْحَاجَاتِ، فَلَوْ تَصَدَّقَ عَلَى فَاسِقٍ أَوْ عَلَى كَافِرٍ مِنْ يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ أَوْ مَجُوسِيٍّ جَازَ، وَكَانَ فِيهِ أَجْرٌ فِي الْجُمْلَةِ
قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ: قَالَ الصَّيْمَرِيُّ: وَكَذَلِكَ الْحَرْبِيُّ، وَدَلِيلُ الْمَسْأَلَةِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} [الانسان:8] وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْأَسِيرَ حَرْبِيٌّ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"قَالَ رَجُلٌ لَأَتَصَدَّقَنَّ اللَّيْلَةَ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ1 عَلَى سَارِقٍ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ فَخَرَجَ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ زَانِيَةٍ فَأَصْبَحَ النَّاسُ يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَلَى زَانِيَةٍ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، لَأَتَصَدَّقَنَّ اللَّيْلَةَ بِصَدَقَةٍ فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ غَنِيٍّ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ عَلَى غَنِيٍّ، فَقَالَ اللَّهُمَّ"
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 بضم التاء والصاد وكسر الدال مع التشديد وفتح القاف