ج / 6 ص -146- الشرح: هَذَا الْحَدِيثُ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما فِي الصَّوْمِ"أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ أَفَأَقْضِيهِ عَنْهَا؟ فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكَ دَيْنٌ أَكُنْتَ قَاضِيَهُ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى". وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: (حَقُّ مَالٍ) احْتِرَازٌ مِنْ الصَّلَاةِ، وَقَوْلُهُ: (لَزِمَهُ فِي حَالِ الْحَيَاةِ) احْتِرَازٌ مِمَّنْ مَاتَ قَبْلَ الْحَوْلِ.
أَمَّا أَحْكَامُ الْفَصْلِ: فَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ وَتَمَكَّنَ مِنْ أَدَائِهَا فَمَاتَ قَبْلَ أَدَائِهَا عَصَى وَوَجَبَ إخْرَاجُهَا مِنْ تَرِكَتِهِ عِنْدَنَا بِلَا خِلَافٍ، وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَسْقُطُ عَنْهُ الزَّكَاةُ بِالْمَوْتِ، وَهُوَ مَذْهَبٌ عَجِيبٌ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: الزَّكَاةُ تَجِبُ عَلَى التَّرَاخِي وَتَسْقُطُ بِالْمَوْتِ، وَهَذَا طَرِيقٌ إلَى سُقُوطِهَا. وَدَلِيلُنَا مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ. وَإِذَا اجْتَمَعَ فِي تَرِكَةِ الْمَيِّتِ دَيْنٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَدَيْنٌ لِلْآدَمِيِّ، كَزَكَاةٍ وَكَفَّارَةٍ وَنَذْرٍ وَجَزَاءِ صَيْدٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ مَشْهُورَةٍ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ بِأَدِلَّتِهَا أصحها يُقَدَّمُ دَيْنُ اللَّهِ تَعَالَى والثاني: دَيْنُ الْآدَمِيِّ والثالث: يَسْتَوِيَانِ فَتُوَزَّعُ عَلَيْهِمَا بِنِسْبَتِهِمَا. وَحَكَى بَعْضُ الْخُرَاسَانِيِّينَ طَرِيقًا آخَرَ فِي الزَّكَاةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْعَيْنِ تُقَدَّمُ قَطْعًا، وَإِنَّمَا الْأَقْوَالُ فِي الْكَفَّارَاتِ وَغَيْرِهَا مِمَّا يَسْتَرْسِلُ فِي الذِّمَّةِ مَعَ حُقُوقِ الْآدَمِيِّ، وَقَدْ تَكُونُ الزَّكَاةُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ بِأَنْ يَكُونَ لَهُ مَالٌ فَيَتْلَفُ بَعْدَ الْحَوْلِ وَالْإِمْكَانِ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَهُ تِرْكَةٌ فَالزَّكَاةُ هُنَا مُتَعَلِّقَةٌ بِالذِّمَّةِ فَفِيهَا الْأَقْوَالُ.
وَأَجَابُوا عَنْ حُجَّةِ مَنْ قَدَّمَ دَيْنَ الْآدَمِيِّ وَقِيَاسُهُ عَلَى قَتْلِ الرِّدَّةِ وَقَطْعِ السَّرِقَةِ بِأَنَّهُ إنَّمَا قَدَّمْنَا حَقَّ الْآدَمِيِّ هُنَاكَ لِانْدِرَاجِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فِي ضِمْنِهِ وَحُصُولِ مَقْصُودِهِ، وَهُوَ إعْدَامُ نَفْسِ الْمُرْتَدِّ وَيَدِ السَّارِقِ وَقَدْ حَصَلَ بِخِلَافِ الدُّيُونِ؛ وَلِأَنَّ الْحُدُودَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الدَّرْءِ وَالْإِسْقَاطِ، بِخِلَافِ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الْمَالِيَّةِ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
فرع فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالْبَابِ
إحداها: قَالَ الصَّيْمَرِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ حِكَايَةً عَنْهُ: كَانَ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه فِي الْقَدِيمِ يُسَمِّي مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمَاشِيَةِ صَدَقَةً وَمِنْ الْمُعَشَّرَاتِ عُشْرًا وَمَنْ النَّقْدَيْنِ زَكَاةً فَقَطْ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ فِي الْجَدِيدِ وَقَالَ: يُسَمَّى الْجَمِيعُ صَدَقَةً وَزَكَاةً. وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ بَابًا فِي قَسْمِ الصَّدَقَاتِ مِنْ سُنَنِهِ تَرْجَمَتُهُ (بَابُ الْأَغْلَبِ عَلَى أَفْوَاهِ الْعَامَّةِ) أَنَّ فِي التَّمْرِ الْعُشْرَ وَفِي الْمَاشِيَةِ الصَّدَقَةَ وَفِي الْوَرِقِ الزَّكَاةَ. قَالَ: وَقَدْ سَمَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم هَذَا كُلَّهُ صَدَقَةً.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَالْعَرَبُ تَقُولُ: لَهُ صَدَقَةٌ وَزَكَاةٌ وَمَعْنَاهُمَا عِنْدَهُمْ وَاحِدٌ. ثُمَّ ذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ رحمه الله تعالى حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ"لَيْسَ1 فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ،"
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 هذه الرواية هي لفظ البخاري ولفظ مسلم"ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة ، ولا فيما دون خمس ذود صدقة، ولا فيما دون خمس أواق صدقة"وكان في ش و ق خلل في نظم الحديث كقوله:"ليس ما في دون خمس"وقد حررناه والحمد لله (ط) .