ج / 5 ص -220- وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: وَهُوَ المَشْهُورُ: وَبِهِ قَطَعَ المُصَنِّفُ هُنَا وَالأَكْثَرُونَ: فِيهِ قَوْلانِ (الجَدِيدُ) لا يُؤْخَذُ (وَالقَدِيمُ) يُؤْخَذُ، وَذَكَرَ المُصَنِّفُ دَليلهُمَا، وَاتَّفَقَ الأَصْحَابُ عَلى أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ لا يُؤْخَذُ، وَأَجَابُوا هُمْ وَالشَّافِعِيُّ وَالبَيْهَقِيُّ فِي مَعْرِفَةِ السُّنَنِ وَالآثَارِ عَنْ حَدِيثِ بَهْزَ بْنِ حَكِيمٍ بِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ، وَأَنَّهُ كَانَ حِينَ كَانَتْ العُقُوبَةُ بِالمَال كَمَا ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ وَهَذَا الجَوَابُ ضَعِيفٌ لوَجْهَيْنِ: أحدهما إنَّ مَا ادَّعَوْهُ مِنْ كَوْنِ العُقُوبَةِ كَانَتْ بِالأَمْوَال فِي أَوَّل الإِسْلامِ ليْسَ بِثَابِتٍ وَلا مَعْرُوفٍ. والثاني: أَنَّ النَّسْخَ إنَّمَا يُصَارُ إليْهِ إذَا عُلمَ التَّارِيخُ، وَليْسَ هُنَا عِلمٌ بِذَلكَ، وَالجَوَابُ الصَّحِيحُ: تَضْعِيفُ الحَدِيثِ، كَمَا سَبَقَ عَنْ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه وَأَبِي حَاتِمٍ وَاَللهُ أَعْلمُ.
الرابعة: إذَا مَنَعَ وَاحِدٌ أَوْ جَمْعٌ الزَّكَاةَ وَامْتَنَعُوا بِالقِتَال، وَجَبَ عَلى الإِمَامِ قِتَالهُمْ لمَا ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ، وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ الصَّحَابَةَ رضي الله عنهم اخْتَلفُوا أَوَّلًا فِي قِتَال مَانِعِي الزَّكَاةِ، وَرَأَى أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه قِتَالهُمْ وَاسْتَدَل عَليْهِمْ فَلمَّا ظَهَرَتْ لهُمْ الدَّلائِل وَافَقُوهُ فَصَارَ قِتَالهُمْ مُجْمَعًا عَليْهِ، وَقَدْ نَقَل المُصَنِّفُ فِي كِتَابِهِ وَغَيْرُهُ مِنْ الأُصُوليِّينَ الاتِّفَاقَ عَلى أَنَّ الصَّحَابَةَ إذَا اخْتَلفُوا ثُمَّ أَجْمَعُوا عَلى أَحَدِ القَوْليْنِ قَبْل أَنْ يَسْتَقِرَّ الخِلافُ كَانَ ذَلكَ إجْمَاعًا، وَمَثَّلوهُ بِقِصَّةِ خِلافِهِمْ لأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه ثُمَّ إجْمَاعِهِمْ وَاَللهُ أَعْلمُ.
فَرْعٌ: فِي مَذَاهِبِ العُلمَاءِ فِي تَأْخِيرِ الزَّكَاةِ
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهَا إذَا وَجَبَتْ الزَّكَاةُ وَتَمَكَّنَ مِنْ إخْرَاجِهَا وَجَبَ الإِخْرَاجُ عَلى الفَوْرِ فَإِنْ أَخَّرَهَا أَثِمَ، وَبِهِ قَال مَالكٌ وَأَحْمَدُ وَجُمْهُورُ العُلمَاءِ نَقَلهُ العَبْدَرِيُّ عَنْ أَكْثَرِهِمْ، وَنَقَل أَصْحَابُنَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا عَلى التَّرَاخِي وَلهُ التَّأْخِيرُ قَال العَبْدَرِيُّ: اخْتَلفَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ فِيهَا، فَقَال الكَرْخِيُّ: عَلى الفَوْرِ، وَقَال أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ: عَلى التَّرَاخِي. دَليلنَا قوله تعالى: {وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43] وَالأَمْر عِنْدَهُمْ عَلى الفَوْرِ، وَكَذَا عِنْدَ بَعْض أَصْحَابنَا. احْتَجُّوا بِأَنَّهُ لمْ يُطَالبْ فَأَشْبَهَ غَيْرَ المُتَمَكِّنِ، قَال الأَصْحَابُ: يَجِبُ الفَرْقُ بَيْنَ التَّمَكُّنِ وَعَدَمِهِ، كَمَا فِي الصَّوْمِ وَالصَّلاةِ.
فرع: إذَا وَجَبَتْ الزَّكَاةُ وَتَمَكَّنَ مِنْ أَدَائِهَا ثُمَّ مَاتَ لمْ تَسْقُطْ بِمَوْتِهِ عِنْدَنَا، بَل يَجِبُ إخْرَاجُهَا مِنْ مَالهِ عِنْدَنَا، وَهُوَ مَذْهَبُ عَطَاءٍ وَالحَسَنِ البَصْرِيِّ وَالزُّهْرِيِّ وَقَتَادَةَ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَابْنِ المُنْذِرِ وَدَاوُد. وَحَكَى ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ وَالشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُليْمَانَ وَدَاوُد بْنِ أَبِي هِنْدٍ وَحُمَيْدٍ الطَّوِيل وَعُثْمَانَ البَتِّيِّ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ: إنْ أَوْصَى بِهَا أُخْرِجَتْ مِنْ مَالهِ كَسَائِرِ الوَصَايَا، وَإِنْ لمْ يُوصِ لمْ يَلزَمْ الوَرَثَةَ إخْرَاجُهَا، وَحُكِيَ عَنْ الليْثِ وَالأَوْزَاعِيِّ أَنَّهَا تُخْرَجُ مِنْ مَالهِ قَبْل الوَصَايَا بِحَيْثُ لا يَتَجَاوَزُ الثُّلثَ، وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَسَائِرُ أَهْل الرَّأْيِ: تَسْقُطُ بِمَوْتِهِ وَلا يَلزَمُ الوَرَثَةَ إخْرَاجُهَا؛ وَإِنْ أَخْرَجُوهَا فَصَدَقَةُ تَطَوُّعٍ إلا أَنْ يُوصَى بِهَا فَتُخْرَجُ، وَتَكُونُ مِنْ الثُّلثِ، فَإِنْ وَصَّى مَعَهَا بِوَصَايَا وَضَاقَ الثُّلثُ عَنْهَا مَعَ الوَصَايَا، قَال أَبُو حَنِيفَةَ: هِيَ وَالوَصَايَا سَوَاءٌ دَليلنَا قَوْلهُ صلى الله عليه وسلم"فَدَيْنُ اللهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى"وَهُوَ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهَا عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ شَرْطُهَا النِّيَّةُ فَسَقَطَتْ بِالمَوْتِ كَالصَّلاةِ، وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا بِأَنَّهَا لا تَصِحُّ الوَصِيَّةُ بِالصَّلاةِ وَلا تَدْخُلهَا النِّيَابَةُ بِخِلافِ الزَّكَاةِ.