ج / 5 ص -212- بِالسُّنَّةِ. قَال القَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْليقِهِ وَآخَرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا: فَائِدَةُ الخِلافِ أَنَّا إذَا قُلنَا: مُجْمَلةٌ فَهِيَ حُجَّةٌ فِي أَصْل وُجُوبِ الزَّكَاةِ وَلا يُحْتَجُّ بِهَا فِي مَسَائِل الخِلافِ، وَإِنْ قُلنَا: ليْسَتْ مُجْمَلةً كَانَتْ حُجَّةً فِي أَصْل وُجُوبِ الزَّكَاةِ وَفِي مَسَائِل الخِلافِ تَعَلقًا بِعُمُومِهَا وَاَللهُ أَعْلمُ.
وَأَمَّا قَوْلهُ صلى الله عليه وسلم"وَتُقِيمَ الصَّلاةَ المَكْتُوبَةَ وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ المَفْرُوضَةَ"فَخَالفَ بَيْنَ اللفْظَيْنِ لقَوْل اللهِ تَعَالى: {إنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} وَثَبَتَ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ وَصْفُ الصَّلاةِ بِالمَكْتُوبَةِ لحَدِيثِ:"خَمْسُ صَلوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللهُ"وَحَدِيثِ:"أَفْضَل الصَّلاةِ صَلاةُ المَرْءِ فِي بَيْتِهِ إلا المَكْتُوبَةَ"وَسَمَّى الزَّكَاةَ مَفْرُوضَةً لأَنَّهَا مُقَدَّرَةٌ، وَلأَنَّهَا تَحْتَاجُ إلى تَقْدِيرِ الوَاجِبِ، وَلهَذَا سَمَّى مَا يَخْرُجُ فِي الزَّكَاةِ فَرَائِضَ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ"فَرَضَ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم صَدَقَةَ الفِطْرِ"وَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ فِي كِتَابِ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم:"هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ". وَقِيل غَايَرَ بَيْنَ اللفْظَيْنِ لئَلا يَتَكَرَّرَ اللفْظُ، وَالفَصَاحَةُ وَالبَلاغَةُ تَمْنَعُ تَكْرِيرَهُ، وَاَللهُ أَعْلمُ. وَأَمَّا قَوْل المُصَنِّفِ: الزَّكَاةُ رُكْنٌ وَفَرْضٌ فَتَوْكِيدٌ وَبَيَانٌ، لكَوْنِهِ يَصِحُّ تَسْمِيَةُ الزَّكَاةِ رُكْنًا وَفَرْضًا، وَقَدْ اسْتَعْمَل المُصَنِّفُ مِثْل هَذِهِ العِبَارَةِ فِي الصَّوْمِ وَالحَجِّ، وَاَللهُ أَعْلمُ.
وَأَمَّا حُكْمُ المَسْأَلةِ: فَالزَّكَاةُ فَرْضٌ وَرُكْنٌ بِإِجْمَاعِ المُسْلمِينَ، وَتَظَاهَرَتْ دَلائِل الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الأُمَّةِ عَلى ذَلكَ، وَاَللهُ أَعْلمُ.
قَال المُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَلا تَجِبُ الزَّكَاةُ إلا عَلى حُرٍّ مُسْلمٍ، فَأَمَّا المُكَاتَبُ وَالعَبْدُ إذَا مَلكَهُ المَوْلى مَالًا فَلا زَكَاةَ عَليْهِ، لأَنَّهُ لا يَمْلكُ فِي قَوْلهِ الجَدِيدِ وَيَمْلكُ فِي قَوْلهِ القَدِيمِ، إلا أَنَّهُ مِلكٌ ضَعِيفٌ لا يَحْتَمِل المُوَاسَاةَ، وَلهَذَا لا تَجِبُ عَليْهِ نَفَقَةُ الأَقَارِبِ وَلا يُعْتَقُ [عَليْهِ] أَبُوهُ إذَا اشْتَرَاهُ فَلمْ تَجِبْ عَليْهِ الزَّكَاةُ، وَفِيمَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ وَنِصْفُهُ عَبْدٌ وَجْهَانِ أحدهما: لا تَجِبُ عَليْهِ الزَّكَاةُ لأَنَّهُ نَاقِصٌ بِالرِّقِّ فَهُوَ كَالعَبْدِ القِنِّ، والثاني: أَنَّهَا تَجِبُ فِيمَا مَلكَهُ بِنِصْفِهِ الحُرِّ، لأَنَّهُ يَمْلكُ بِنِصْفِهِ الحُرِّ مِلكًا تَامًّا، فَوَجَبَ عَليْهِ الزَّكَاةُ كَالحُرِّ".
الشرح: قَوْلهُ: وَلا تَجِبُ الزَّكَاةُ إلا عَلى حُرٍّ مُسْلمٍ، وَلمْ يَقُل تَامَّ المِلكِ كَمَا قَالهُ فِي التَّنْبِيهِ، وَهَذَا الذِي قَالهُ هُنَا حَسَنٌ، لأَنَّ مَقْصُودَهُ فِي هَذَا الفَصْل بَيَانُ صِفَةِ الشَّخْصِ الذِي تَجِبُ عَليْهِ الزَّكَاةُ، وَكَوْنُهُ تَامَّ المِلكِ صِفَةٌ للمَال، فَأَخَّرَهُ ثُمَّ ذَكَرَ فِي أَوَّل الذِي يَلي هَذَا فِي فَصْل صِفَاتِ المَال، وَهَذَا تَرْتِيبٌ حَسَنٌ. أَمَّا وُجُوبُ الزَّكَاةِ عَلى الحُرِّ المُسْلمِ فَظَاهِرٌ لعُمُومِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِجْمَاعِ فِيمَنْ سِوَى الصَّبِيِّ وَالمَجْنُونِ، وَمَذْهَبُنَا وُجُوبُهَا فِي مَال الصَّبِيِّ وَالمَجْنُونِ، وَسَنُوَضِّحُهُ قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالى.
وَأَمَّا المُكَاتَبُ فَلا زَكَاةَ عَليْهِ لا فِي عُشْرِ زَرْعِهِ وَلا فِي مَاشِيَتِهِ وَسَائِرِ أَمْوَالهِ وَلا خِلافَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا عِنْدَنَا، وَلا يَجِبُ عَليْهِ زَكَاةُ الفِطْرِ أَيْضًا، وَفِيهَا وَجْهٌ ضَعِيفٌ ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ فِي بَابِ زَكَاةِ الفِطْرِ، وَالمَذْهَبُ أَنَّهَا لا تَجِبُ عَليْهِ، وَدَليل الجَمِيعِ ضَعْفُ مِلكِهِ.
قَال أَصْحَابُنَا: فَإِنْ عَتَقَ المُكَاتَبُ وَالمَال فِي يَدِهِ اسْتَأْنَفَ لهُ الحَوْل مِنْ حِينِ العِتْقِ وَإِنْ عَجَزَ فَصَارَ المَال للسَّيِّدِ ابْتَدَأَ الحَوْل مِنْ حِينَئِذٍ. وَأَمَّا العَبْدُ القِنُّ وَالمُدَبَّرُ وَالمُسْتَوْلدَةُ إذَا مَلكَهُمْ المَوْلى مَالًا - فَإِنْ قُلنَا بِالجَدِيدِ الصَّحِيحِ أَنَّهُ لا يَمْلكُ بِالتَّمْليكِ - وَجَبَ عَلى السَّيِّدِ زَكَاةُ مَا مَلكَ، وَلا أَثَرَ للتَّمْليكِ