ج / 5 ص -203- فَدَارَ، مَنْصُوبٌ قَال صَاحِبُ المَطَالعِ: هُوَ مَنْصُوبٌ عَلى الاخْتِصَاصِ أَوْ عَلى النِّدَاءِ المُضَافِ، وَالأَوَّل أَفْصَحُ. وَقَال: وَيَصِحُّ الجَرُّ عَلى البَدَل مِنْ الكَافِ وَالمِيمِ فِي عَليْكُمْ، وَالمُرَادُ بِالدَّارِ عَلى هَذَا الوَجْهِ الأَخِيرِ الجَمَاعَةُ أَوْ أَهْل الدَّارِ، وَعَلى الأَوَّل مِثْلهُ أَوْ المَنْزِل، وَقَوْلهُ صلى الله عليه وسلم"وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لاحِقُونَ"فِيهِ أَقْوَالٌ.
أحدها: أَنَّهُ ليْسَ عَلى وَجْهِ الاسْتِثْنَاءِ الذِي يَدْخُل الكَلامُ لشَكٍّ وَارْتِيَابٍ، بَل عَلى عَادَةِ المُتَكَلمِ لتَحْسِينِ الكَلامِ. حَكَاهُ الخَطَّابِيُّ رحمه الله. الثاني هُوَ اسْتِثْنَاءٌ عَلى بَابِهِ. وَهُوَ رَاجِعٌ إلى التَّخَوُّفِ فِي هَذَا المَكَانِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ للتَّبَرُّكِ وَامْتِثَال قوله تعالى {وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} وَقِيل فِيهِ أَقْوَالٌ أُخَرُ تَرَكْتهَا لضَعْفِهَا، وَمِنْ أَضْعَفِهَا قَوْل مَنْ قَال:"إنَّهُ صلى الله عليه وسلم دَخَل المَقْبَرَةَ وَمَعَهُ مُؤْمِنُونَ حَقِيقَةً، وَآخَرُونَ يُظَنُّ بِهِمْ النِّفَاقُ"وَكَانَ الاسْتِثْنَاءُ مُنْصَرِفًا إليْهِمْ، وَهَذَا غَلطٌ لأَنَّ الحَدِيثَ فِي صَحِيحِ مُسْلمٍ وَغَيْرِهِ"أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ فِي آخِرِ الليْل إلى البَقِيعِ وَحْدَهُ وَرَجَعَ فِي وَقْتِهِ، وَلمْ يَكُنْ مَعَهُ أَحَدٌ إلا عَائِشَةَ رضي الله عنها كَانَتْ تَنْظُرُهُ مِنْ بَعِيدٍ، وَلا يَعْلمُ أَنَّهَا تَنْظُرُهُ، فَهَذَا تَصْرِيحٌ بِإِبْطَال هَذَا القَوْل، وَإِنْ كَانَ قَدْ حَكَاهُ الخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ، وَإِنَّمَا نَبَّهْت عَليْهِ لئَلا يُغْتَرَّ بِهِ، وَقِيل إنَّ الاسْتِثْنَاءَ رَاجِعٌ إلى اسْتِصْحَابِ الإِيمَانِ، وَهَذَا غَلطٌ فَاحِشٌ، وَكَيْفَ يَصِحُّ هَذَا وَهُوَ صلى الله عليه وسلم يَقْطَعُ بِدَوَامِ إيمَانِهِ؟، وَيَسْتَحِيل بِالدَّلالةِ العَقْليَّةِ المُقَرَّرَةِ وُقُوعُ الكُفْرِ، فَهَذَا القَوْل وَإِنْ حَكَاهُ الخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ بَاطِلٌ نَبَّهْنَا عَليْهِ لئَلا يُغْتَرَّ بِهِ، وَكَذَا أَقْوَالٌ أُخَرُ قِيلتْ، هِيَ فَاسِدَةٌ ظَاهِرَةُ الخَطَأِ لا حَاجَةَ إلى ارْتِكَابِهَا وَلا ضَرُورَةَ بِحَمْدِ اللهِ فِي الكَلامِ إلى حَمْلهِ عَلى تَأْوِيلٍ بَعِيدٍ، بَل الصَّحِيحُ مِنْهُ مَا قَدَّمْته وَاَللهُ أَعْلمُ."
أما الأحكام: فَاتَّفَقَتْ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ وَالأَصْحَابِ عَلى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ للرِّجَال زِيَارَةُ القُبُورِ، وَهُوَ قَوْل العُلمَاءِ كَافَّةً؛ نَقَل العَبْدَرِيُّ فِيهِ إجْمَاعَ المُسْلمِينَ، وَدَليلهُ مَعَ الإِجْمَاعِ الأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ المَشْهُورَةُ، وَكَانَتْ زِيَارَتُهَا مَنْهِيًّا عَنْهَا أَوَّلًا ثُمَّ نُسِخَ، ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلمٍ رحمه الله عَنْ بُرَيْدَةَ رضي الله عنه قَال: قَال رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم"كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ فَزُورُوهَا"وَزَادَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَالنَّسَائِيُّ فِي رِوَايَتِهِمَا:"فَزُورُوهَا وَلا تَقُولوا هُجْرًا"وَالهَجْرُ الكَلامُ البَاطِل، وَكَانَ النَّهْيُ أَوَّلًا لقُرْبِ عَهْدِهِمْ مِنْ الجَاهِليَّةِ، فَرُبَّمَا كَانُوا يَتَكَلمُونَ بِكَلامِ الجَاهِليَّةِ البَاطِل فَلمَّا اسْتَقَرَّتْ قَوَاعِدُ الإِسْلامِ وَتَمَهَّدَتْ أَحْكَامُهُ واستشهرت مَعَالمُهُ أُبِيحَ لهُمْ الزِّيَارَةُ وَأَحَاطَ صلى الله عليه وسلم بِقَوْلهِ:"وَلا تَقُولوا هُجْرًا".
قَال أَصْحَابُنَا رحمهم الله: وَيُسْتَحَبُّ لزَائِرٍ أَنْ يَدْنُوَ مِنْ قَبْرِ المَزُورِ بِقَدْرِ مَا كَانَ يَدْنُو مِنْ صَاحِبِهِ لوْ كَانَ حَيًّا وَزَارَهُ. وَأَمَّا النِّسَاءُ فَقَال المُصَنِّفُ وَصَاحِبُ البَيَانِ: لا تَجُوزُ لهُنَّ الزِّيَارَةُ وَهُوَ ظَاهِرُ هَذَا الحَدِيثِ وَلكِنَّهُ شَاذٌّ فِي المَذْهَبِ، وَاَلذِي قَطَعَ بِهِ الجُمْهُورُ أَنَّهَا مَكْرُوهَةٌ لهُنَّ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ، وَذَكَرَ الرُّويَانِيُّ فِي البَحْرِ وَجْهَيْنِ أحدهما يُكْرَهُ كَمَا قَالهُ الجُمْهُورُ والثاني: لا يُكْرَهُ قَال: وَهُوَ الأَصَحُّ إذَا أُمِنَ عِنْدِي الافْتِتَانُ.