ج / 5 ص -165- بَابُ حَمْل الجِنَازَةِ وَالدَّفْنِ
قَال المُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"يَجُوزُ حَمْل الجِنَازَةِ بَيْنَ العَمُودَيْنِ، وَهُوَ أَنْ يَجْعَل الحَامِل رَأْسَهُ بَيْنَ عَمُودَيْ مُقَدِّمَةِ النَّعْشِ وَيَجْعَلهُمَا عَلى كَاهِلهِ، وَيَجُوزُ الحَمْل مِنْ الجَوَانِبِ الأَرْبَعَةِ، فَيَبْدَأُ بِيَاسِرَةِ المُقَدِّمَةِ فَيَضَعُ العَمُودَ عَلى عَاتِقِهِ الأَيْمَنِ، ثُمَّ يَجِيءُ إلى يَاسِرَةِ المُؤَخِّرَةِ فَيَضَعُ العَمُودَ عَلى عَاتِقِهِ الأَيْمَنِ، ثُمَّ يَأْخُذُ يَامِنَةَ المُقَدِّمَةِ فَيَضَعُ العَمُودَ عَلى عَاتِقِهِ الأَيْسَرِ، ثُمَّ يَجِيءُ إلى يَامِنَةِ المُؤَخِّرَةِ فَيَضَعُ العَمُودَ عَلى عَاتِقِهِ الأَيْسَرِ، وَالحَمْل بَيْنَ العَمُودَيْنِ أَفْضَل؛ لأَنَّ"النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم حَمَل سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ رضي الله عنه بَيْنَ العَمُودَيْنِ؛ وَلأَنَّهُ رُوِيَ ذَلكَ عَنْ عُثْمَانَ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ الزُّبَيْرِ رضي الله عنهم"."
الشَّرْحُ: حَدِيثُ حَمْل سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ رضي الله عنه ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ فِي المُخْتَصَرِ وَالبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ المَعْرِفَةِ وَأَشَارَ إلى تَضْعِيفِهِ، وَالآثَارُ المَذْكُورَةُ عَنْ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم رَوَاهَا الشَّافِعِيُّ وَالبَيْهَقِيُّ بِأَسَانِيدَ ضَعِيفَةٍ إلا الأَثَرَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فَصَحِيحٌ وَاَللهُ أَعْلمُ. وَالمُقَدِّمَةُ بِفَتْحِ الدَّال وَكَسْرِهَا وَالكَسْرُ أَفْضَل، وَاليَامِنَةُ وَاليَاسِرَةُ بِكَسْرِ المِيمِ وَالسِّينِ، وَالكَاهِل مَا بَيْنَ الكَتِفَيْنِ. قَال أَصْحَابُنَا رحمهم الله: لحَمْل الجِنَازَةِ كَيْفِيَّتَانِ:
إحْدَاهُمَا: بَيْنَ العَمُودَيْنِ، وَهُوَ أَنْ يَتَقَدَّمَ رَجُلٌ فَيَضَعَ الخَشَبَتَيْنِ الشَّاخِصَتَيْنِ وَهُمَا العَمُودَانِ عَلى عَاتِقَيْهِ، وَالخَشَبَةَ المُعْتَرِضَةَ بَيْنَهُمَا عَلى كَاهِلهِ، وَيَحْمِل مُؤَخَّرَ النَّعْشِ رَجُلانِ: أَحَدُهُمَا مِنْ الجَانِبِ الأَيْمَنِ وَالآخَرُ مِنْ الأَيْسَرِ، وَلا يَتَوَسَّطُ الخَشَبَتَيْنِ الشَّاخِصَتَيْنِ المُؤَخَّرَتَيْنِ وَاحِدٌ؛ لأَنَّهُ لوْ تَوَسَّطَ لمْ يَرَ مَا بَيْنَ قَدَمَيْهِ بِخِلافِ المُقَدِّمَتَيْنِ. قَال أَصْحَابُنَا فَإِنْ لمْ يَسْتَقِل المُتَقَدِّمُ بِالحَمْل أَعَانَهُ آخَرَانِ خَارِجَ العَمُودَيْنِ يَضَعُ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلى عَاتِقِهِ، فَتَكُونُ الجِنَازَةُ مَحْمُولةً بِخَمْسَةٍ.
وَالكَيْفِيَّةُ الثَّانِيَةُ: التَّرْبِيعُ، وَهُوَ أَنْ يَتَقَدَّمَ رَجُلانِ فَيَضَعَ أَحَدُهُمَا العَمُودَ الأَيْمَنَ عَلى عَاتِقِهِ الأَيْسَرِ، وَيَضَعَ الآخَرُ العَمُودَ الأَيْسَرَ عَلى عَاتِقِهِ الأَيْمَنِ. وَكَذَلكَ يَحْمِل العَمُودَيْنِ اللذَيْنِ فِي آخِرِهَا رَجُلانِ فَتَكُونُ الجِنَازَةُ مَحْمُولةً بِأَرْبَعَةٍ.
قَال الشَّافِعِيُّ رحمه الله وَالأَصْحَابُ رحمهم الله: مَنْ أَرَادَ التَّبَرُّكَ بِحَمْل الجِنَازَةِ مِنْ جَوَانِبِهَا الأَرْبَعَةِ بَدَأَ بِالعَمُودِ الأَيْسَرِ مِنْ مُقَدِّمِهَا فَحَمَلهُ عَلى عَاتِقِهِ الأَيْمَنِ ثُمَّ يُسَلمُهُ إلى غَيْرِهِ وَيَأْخُذُ العَمُودَ الأَيْسَرَ مِنْ مُؤَخَّرِهَا فَيَحْمِلهُ عَلى عَاتِقِهِ الأَيْمَنِ أَيْضًا ثُمَّ يَتَقَدَّمُ أَيْضًا فَيَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهَا وَلا يَجِيءُ مِنْ وَرَائِهَا؛ لئَلا يَكُونَ مَاشِيًا مِنْ خَلفِهَا فَيَأْخُذَ العَمُودَ الأَيْمَنَ مِنْ مُقَدِّمِهَا عَلى عَاتِقِهِ الأَيْسَرِ، ثُمَّ يَأْخُذُ العَمُودَ الأَيْمَنَ مِنْ مُؤَخَّرِهَا عَلى عَاتِقِهِ الأَيْسَرِ أَيْضًا، وَلا يُمْكِنُهُ هَذَا إلا إذَا حُمِلتْ الجِنَازَةُ عَلى هَيْئَةِ التَّرْبِيعِ. قَال الشَّافِعِيُّ وَالأَصْحَابُ رحمهم الله: وَكُل وَاحِدَةٍ مِنْ كَيْفِيَّةِ التَّرْبِيعِ وَالحَمْل بَيْنَ العَمُودَيْنِ جَائِزَةٌ بِلا خِلافٍ، وَأَيُّهُمَا أَفْضَل؟ فِيهِ ثَلاثَةُ أَوْجُهٍ: الصحيح: الذِي قَطَعَ بِهِ المُصَنِّفُ وَالجُمْهُورُ الحَمْل بَيْنَ