ج / 5 ص -162- فَيُصَلى عَليْهِمْ، ثُمَّ يُرْفَعُونَ وَحَمْزَةُ مَكَانَهُ، ثُمَّ يُؤْتَى بِتِسْعَةٍ آخَرِينَ فَيُصَلى عَليْهِمْ وَعَلى حَمْزَةَ حَتَّى صُليَ عَليْهِ سَبْعُونَ صَلاةً"."
قَال الشَّافِعِيُّ رحمه الله: وَشُهَدَاءُ أُحُدٍ اثْنَانِ وَسَبْعُونَ شَهِيدًا فَإِذَا صَلى عَليْهِمْ عَشَرَةً فَالصَّوَابُ أَنْ لا يَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِ صَلوَاتٍ أَوْ ثَمَانٍ عَلى أَنَّهُ صَلى عَلى كُل تِسْعَةٍ مَعَ حَمْزَةَ صَلاةً، فَهَذِهِ سَبْعٌ فَمِنْ أَيْنَ جَاءَتْ سَبْعُونَ صَلاةً؟ وَإِنْ عَنَى أَنَّهُ كَبَّرَ سَبْعِينَ تَكْبِيرَةً فَنَحْنُ وَهُمْ نَقُول: التَّكْبِيرُ أَرْبَعٌ فَهِيَ سِتٌّ وَثَلاثُونَ تَكْبِيرَةً.
قَال الشَّافِعِيُّ رحمه الله: يَنْبَغِي لمَنْ رَوَى هَذَا الحَدِيثَ أَنْ يَسْتَحْيِيَ عَلى نَفْسِهِ وَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي لهُ أَنْ لا يُعَارِضَ بِهِ الأَحَادِيثَ فَقَدْ جَاءَتْ مِنْ وُجُوهٍ مُتَوَاتِرَةٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم"لمْ يُصَل عَليْهِمْ"هَذَا آخِرُ كَلامِ الشَّافِعِيِّ رحمه الله. وَقَال إمَامُ الحَرَمَيْنِ فِي الأَسَاليبِ: مُعْتَمَدُنَا فِي المَسْأَلةِ الأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ أَنَّهُ لمْ يُصَل عَليْهِمْ، وَلمْ يُغَسَّلوا. وَأَمَّا: مَا ذَكَرُوهُ مِنْ صَلاةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَلى شُهَدَاءِ أُحُدٍ فَخَطَأٌ لمْ يُصَحِّحْهُ الأَئِمَّةُ؛ لأَنَّهُمْ رَوَوْا أَنَّهُ كَانَ يُؤْتَى بِعَشَرَةٍ عَشَرَةٍ وَحَمْزَةُ أَحَدُهُمْ فَصَلى عَلى حَمْزَةَ سَبْعِينَ صَلاةً، وَهَذَا غَلطٌ ظَاهِرٌ؛ لأَنَّ الشُّهَدَاءَ سَبْعُونَ، وَإِنَّمَا يَخُصُّ حَمْزَةَ سَبْعِينَ صَلاةً لوْ كَانُوا سَبْعَمِائَةٍ، ثُمَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله إذَا صُليَ عَلى المَيِّتِ لمْ يُصَل عَليْهِ مَرَّةً أُخْرَى، وَبِالاتِّفَاقِ مِنَّا وَمِنْهُ، فَإِنَّ مِنْ صَلى مَرَّةً لا يُصَلي هُوَ ثَانِيَةً؛ وَلأَنَّ الغُسْل لا يَجُوزُ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُمْ، وَهُوَ شَرْطٌ فِي الصَّلاةِ عَلى غَيْرِ الشُّهَدَاءِ، فَوَجَبَ أَنْ لا تَجُوزَ الصَّلاةُ عَلى الشَّهِيدِ بِلا غُسْلٍ.
فَإِنْ قَالوا: سَبَبُ تَرْكِ الغُسْل بَقَاءُ أَثَرِ الشَّهَادَةِ لقَوْلهِ صلى الله عليه وسلم"زَمِّلوهُمْ بِكُلومِهِمْ"فَظَهَرَ سَبَبُ تَرْكِ الغُسْل وَبَقِيَتْ الصَّلاةُ مَشْرُوعَةً كَمَا كَانَتْ فالجواب: أَنَّهُ لوْ كَانَ المُعْتَبَرُ بَقَاءَ الدَّمِ لوَجَبَ أَنْ يُغَسَّل مِنْ قُتِل فِي المُعْتَرَكِ خَنْقًا أَوْ بِمُثَقَّلٍ، وَلمْ يَظْهَرْ دَمٌ؛ وَلأَنَّهُ لوْ كَانَ المُرَادُ بَقَاءَ الدَّمِ ليُمِّمَ، قَال: وَليْسَ مَعْنَى الحَدِيثِ تَرْكَ الغُسْل بِسَبَبٍ، وَإِنَّمَا المُرَادُ نَفْيُ تَوَهُّمِ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ الغُسْل مُتَعَيِّنٌ لإِزَالةِ الأَذَى، فَقَال صلى الله عليه وسلم:"زَمِّلوهُمْ وَادْفِنُوهُمْ بِدِمَائِهِمْ وَلا تَهْتَمُّوا بِإِزَالتِهَا عَنْهُمْ، فَإِنَّهُمْ يُبْعَثُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَعَليْهِمْ الدِّمَاءُ"قَال: وَاَلذِي يُوَضِّحُ هَذَا أَنَّا نَقْطَعُ بِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لمْ يُرِدْ أَنَّ الدِّمَاءَ التِي يُدْفَنُونَ بِهَا تَبْقَى إلى يَوْمِ القِيَامَةِ، فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ بُطْلانُ قَوْلهِمْ: إنْ تُرِكَ الغُسْل للدَّمِ، فَيَجِبُ أَنْ يُقَال الشَّهَادَةُ تَطْهِيرٌ للمَقْتُول عَنْ الذُّنُوبِ فَيُغْنِي عَنْ التَّطْهِيرِ بِالمَاءِ، وَهَذَا يَقْتَضِي تَرْكَ الصَّلاةِ أَيْضًا، فَإِنَّهَا شُرِعَتْ لتَطْهِيرِهِ بِشَفَاعَةِ المُصَلينَ.
فَإِنْ قِيل: الصَّبِيُّ طَاهِرٌ وَيُصَلى عَليْهِ قُلنَا: الشَّهَادَةُ أَمْرٌ طَارِئٌ يَقْتَضِي رُتْبَةً عَظِيمَةً وَتَمْحِيصًا، فَلا يَبْعُدُ أَنْ يُقَال: إنَّهُ مُغْنٍ عَنْ الغُسْل وَالصَّلاةِ، وَالصَّبِيُّ - وَإِنْ لمْ يَكُنْ مُكَلفًا - فَلمْ يَطْرَأْ عَليْهِ مَا يَقْتَضِي مَرْتَبَةً، وَالطَّرِيقَةُ السَّدِيدَةُ عِنْدَنَا فِي تَرْكِ الغُسْل أَنَّهُ غَيْرُ مُعَللٍ؛ لأَنَّا أَبْطَلنَا عَليْهِمْ، وَمَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّطْهِيرِ رُبَّمَا لا يَسْتَقِيمُ عَلى السَّيْرِ كَمَا يَنْبَغِي، فَنَقُول إذَا امْتَنَعَ الغُسْل وَبَدَلهُ فَهُوَ كَحَيٍّ لمْ يَجِدْ مَاءً وَلا تُرَابًا، فَإِنَّهُ لا يُصَلي الفَرْضَ عِنْدَهُمْ وَاَللهُ أَعْلمُ.
فرع: فِي مَذَاهِبِهِمْ فِي الصَّبِيِّ إذَا اُسْتُشْهِدَ مَذْهَبُنَا أَنَّهُ لا يُغَسَّل وَلا يُصَلى عَليْهِ، وَبِهِ قَال الجُمْهُورُ