ج / 5 ص -160- فَإِنْ لمْ يَكُنْ مَا عَليْهِ كَافِيًا للكَفَنِ الوَاجِبِ وَجَبَ إتْمَامُهُ، وَدَليل هَذِهِ المَسْأَلةِ حَدِيثُ جَابِرٍ السَّابِقُ وَهُوَ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ رحمه الله.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَال"أَمَرَ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم بِقَتْلى أُحُدٍ أَنْ يُنْزَعَ عَنْهُمْ الحَدِيدُ وَالجُلودُ، وَأَنْ يُدْفَنُوا بِدِمَائِهِمْ وَثِيَابِهِمْ"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلى شَرْطِ مُسْلمٍ وَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ رحمه الله يُضَعِّفُ أَبُو دَاوُد هَذَا الحَدِيثَ
وَعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَال"رُمِيَ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فِي صَدْرِهِ أَوْ فِي حَلقِهِ فَمَاتَ فَأُدْرِجَ فِي ثِيَابِهِ كَمَا هُوَ، وَنَحْنُ مَعَ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلى شَرْطِ مُسْلمٍ. وَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ رحمه الله أَنَّ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ رضي الله عنه قُتِل يَوْمَ أُحُدٍ فَلمْ يُوجَدْ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ إلا بُرْدَةٌ، وَقُتِل حَمْزَةُ رضي الله عنه فَلمْ يُوجَدْ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ إلا بُرْدَةٌ.
التَّاسِعَةُ: الشُّهَدَاءُ الذِينَ لمْ يَمُوتُوا بِسَبَبِ حَرْبِ الكُفَّارِ كَالمَبْطُونِ وَالمَطْعُونِ وَالغَرِيقِ وَصَاحِبِ الهَدْمِ وَالغَرِيبِ وَالمَيِّتَةِ فِي الطَّلقِ وَمَنْ قَتَلهُ مُسْلمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ أَوْ مَاتَ فِي غَيْرِ حَال القِتَال وَشِبْهِهِمْ، فَهَؤُلاءِ يُغَسَّلونَ وَيُصَلى عَليْهِمْ بِلا خِلافٍ، قَال أَصْحَابُنَا رحمهم الله: وَلفْظُ الشَّهَادَةِ الوَارِدَةِ فِيهِ المُرَادُ بِهِ أَنَّهُمْ شُهَدَاءُ فِي ثَوَابِ الآخِرَةِ لا فِي تَرْكِ الغُسْل وَالصَّلاةِ.
وَاعْلمْ أَنَّ الشُّهَدَاءَ ثَلاثَةُ أَقْسَامٍ: أحدها: شَهِيدٌ فِي حُكْمِ الدُّنْيَا، وَهُوَ تَرْكُ الغُسْل وَالصَّلاةِ، وَفِي حُكْمِ الآخِرَةِ بِمَعْنَى أَنَّ لهُ ثَوَابًا خَاصًّا، وَهُمْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، وَهَذَا هُوَ الذِي مَاتَ بِسَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ قِتَال الكُفَّارِ قَبْل انْقِضَاءِ الحَرْبِ وَسَبَقَ تَفْصِيلهُ والثاني: شَهِيدٌ فِي الآخِرَةِ دُونَ الدُّنْيَا، وَهُوَ المَبْطُونُ وَالمَطْعُونُ وَالغَرِيقُ وَأَشْبَاهُهُمْ والثالث: شَهِيدٌ فِي الدُّنْيَا دُونَ الآخِرَةِ، وَهُوَ المَقْتُول فِي حَرْبِ الكُفَّارِ، وَقَدْ غَل مِنْ الغَنِيمَةِ، أَوْ قُتِل مُدْبِرًا، أَوْ قَاتَل رِيَاءً، وَنَحْوُهُ فَلهُ حُكْمُ الشُّهَدَاءِ فِي الدُّنْيَا دُونَ الآخِرَةِ، وَالدَّليل، للقِسْمِ الثَّانِي أَنَّ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَليًّا رضي الله عنهم غُسِّلوا وَصُليَ عَليْهِمْ بِالاتِّفَاقِ، وَاتَّفَقُوا عَلى أَنَّهُمْ شُهَدَاءُ وَاَللهُ أَعْلمُ.
العَاشِرَةُ: فِي حِكْمَةِ تَرْكِ غُسْل الشَّهِيدِ وَالصَّلاةِ عَليْهِ.
قَال الشَّافِعِيُّ فِي الأُمِّ: لعَل تَرْكَ الغُسْل وَالصَّلاةِ لأَنْ يَلقَوْا اللهَ بِكُلومِهِمْ، لمَا جَاءَ أَنَّ رِيحَ دَمِهِمْ رِيحُ المِسْكِ؛ وَاسْتَغْنَوْا بِإِكْرَامِ اللهِ لهُمْ عَنْ الصَّلاةِ عَليْهِمْ، مَعَ التَّخْفِيفِ عَلى مَنْ بَقِيَ مِنْ المُسْلمِينَ، لمَا يَكُونُ فِيمَنْ قَاتَل فِي الزَّحْفِ مِنْ الجِرَاحَاتِ، وَخَوْفِ عَوْدَةِ العَدُوِّ، وَرَجَاءِ طَلبِهِمْ وَهَمِّهِمْ بِأَهْلهِمْ، وَهَمِّ أَهْليهِمْ بِهِمْ وَاَللهُ أَعْلمُ.
فرع: (فِي مَذَاهِبِ العُلمَاءِ فِي غُسْل الشَّهِيدِ وَالصَّلاةِ عَليْهِ) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا تَحْرِيمُهَا، وَبِهِ قَال جُمْهُورُ العُلمَاءِ، وَهُوَ قَوْل عَطَاءٍ وَالنَّخَعِيِّ وَسُليْمَانَ بْنِ مُوسَى وَيَحْيَى الأَنْصَارِيِّ وَالحَاكِمِ وَحَمَّادٍ وَالليْثِ وَمَالكٍ وَتَابِعِيهِ مِنْ أَهْل المَدِينَةِ، وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَابْنِ المُنْذِرِ.