ج / 5 ص -158- الثانية يَثْبُتُ حُكْمُ الشَّهَادَةِ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ للرَّجُل وَالمَرْأَةِ وَالعَبْدِ وَالصَّبِيِّ وَالصَّالحِ وَالفَاسِقِ.
الثالثة: الشَّهِيدُ الذِي لا يُغَسَّل وَلا يُصَلى عَليْهِ هُوَ مَنْ مَاتَ بِسَبَبِ قِتَال الكُفَّارِ حَال قِيَامِ القِتَال، سَوَاءٌ قَتَلهُ كَافِرٌ، أَوْ أَصَابَهُ سِلاحُ مُسْلمٍ خَطَأً أَوْ عَادَ إليْهِ سِلاحُ نَفْسِهِ أَوْ سَقَطَ عَنْ فَرَسِهِ أَوْ رَمَحَتْهُ دَابَّةٌ فَمَاتَ أَوْ وَطِئَتْهُ دَوَابُّ المُسْلمِينَ أَوْ غَيْرُهُمْ أَوْ أَصَابَهُ سَهْمٌ لا يُعْرَفُ هَل رَمَى بِهِ مُسْلمٌ أَمْ كَافِرٌ، أَوْ وُجِدَ قَتِيلًا عِنْدَ انْكِشَافِ الحَرْبِ وَلمْ يُعْلمْ سَبَبُ مَوْتِهِ، سَوَاءٌ كَانَ عَليْهِ أَثَرُ دَمٍ أَمْ لا، وَسَوَاءٌ مَاتَ فِي الحَال أَمْ بَقِيَ زَمَنًا ثُمَّ مَاتَ بِذَلكَ السَّبَبِ قَبْل انْقِضَاءِ الحَرْبِ، وَسَوَاءٌ أَكَل وَشَرِبَ وَوَصَّى أَمْ لمْ يَفْعَل شَيْئًا مِنْ ذَلكَ، وَهَذَا كُلهُ مُتَّفَقٌ عَليْهِ عِنْدَنَا، نَصَّ عَليْهِ الشَّافِعِيُّ وَالأَصْحَابُ، وَلا خِلافَ فِيهِ إلا وَجْهًا شَاذًّا مَرْدُودًا حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الجُوَيْنِيُّ فِي الفُرُوقِ أَنَّ مَنْ رَجَعَ إليْهِ سِلاحُهُ أَوْ وَطِئَتْهُ دَابَّةُ مُسْلمٍ أَوْ مُشْرِكٍ أَوْ تَرَدَّى فِي بِئْرٍ حَال القِتَال وَنَحْوِهِ ليْسَ بِشَهِيدٍ، بَل يُغَسَّل وَيُصَلى عَليْهِ وَالصَّوَابُ الأَوَّل.
أَمَّا إذَا مَاتَ فِي مُعْتَرَكِ الكُفَّارِ لا بِسَبَبِ قِتَالهِمْ، بَل فَجْأَةً أَوْ بِمَرَضٍ فَطَرِيقَانِ: المَذْهَبُ أَنَّهُ ليْسَ بِشَهِيدٍ، وَبِهِ قَطَعَ المَاوَرْدِيُّ وَالقَاضِي حُسَيْنٌ وَالبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ وَالثَّانِي فِيهِ وَجْهَانِ: أحدهما: شَهِيدٌ وَأَصَحُّهُمَا ليْسَ بِشَهِيدٍ، حَكَاهُ إمَامُ الحَرَمَيْنِ وَآخَرُونَ، قَال القَاضِي حُسَيْنٌ وَالبَغَوِيُّ. رحمهم الله: وَكَذَا لوْ قَتَلهُ مُسْلمٌ عَمْدًا أَوْ رَمَى إلى صَيْدٍ فَأَصَابَهُ فِي حَال القِتَال وَمَاتَ بَعْدَ انْقِضَائِهِ، فَإِنْ قُطِعَ بِمَوْتِهِ مِنْ تِلكَ الجِرَاحَةِ وَبَقِيَ فِيهِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الحَرْبِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ فَقَوْلانِ مَشْهُورَانِ أصحهما: ليْسَ بِشَهِيدٍ، سَوَاءٌ فِي جَرَيَانِ القَوْليْنِ أَكَل وَشَرِبَ وَصَلى وَتَكَلمَ أَمْ لا، وَسَوَاءٌ طَال الزَّمَانُ أَمْ لا، هَذَا هُوَ المَشْهُورُ، وَقِيل: إنْ مَاتَ عَنْ قُرْبٍ فَقَوْلانِ، وَإِنْ طَال الزَّمَانُ فَليْسَ بِشَهِيدٍ قَطْعًا، أَمَّا إذَا انْقَضَتْ الحَرْبُ وَليْسَ فِيهِ إلا حَرَكَةُ مَذْبُوحٍ فَهُوَ شَهِيدٌ بِلا خِلافٍ؛ لأَنَّهُ فِي حُكْمِ المَيِّتِ، وَإِنْ انْقَضَتْ وَهُوَ مُتَوَقَّعُ الحَيَاةِ فَليْسَ بِشَهِيدٍ بِلا خِلافٍ.
الرابعة إذَا قَتَل أَهْل العَدْل إنْسَانًا مِنْ أَهْل البَغْيِ فِي حَال القِتَال غُسِّل وَصُليَ عَليْهِ بِلا خِلافٍ، وَإِنْ قَتَل أَهْل البَغْيِ عَادِلًا فَقَوْلانِ مَشْهُورَانِ، أَصَحُّهُمَا يُغَسَّل وَيُصَلى عَليْهِ كَعَكْسِهِ، قَال الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالمَحَامِليُّ فِي كِتَابَيْهِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ: هَذَا هُوَ المَنْصُوصُ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِي القَدِيمِ وَالجَدِيدِ والثاني: نَصَّ عَليْهِ فِي قِتَال أَهْل البَغْيِ لا يُغَسَّل وَلا يُصَلى عَليْهِ؛ لأَنَّهُ مَقْتُولٌ فِي حَرْبِ مُبْطِلينَ فَأَشْبَهَ الكُفَّارَ.
الخامسة: مَنْ قَتَلهُ قُطَّاعُ الطَّرِيقِ فِيهِ طَرِيقَانِ: حَكَاهُمَا إمَامُ الحَرَمَيْنِ وَآخَرُونَ وَأَحَدُهُمَا: ليْسَ بِشَهِيدٍ قَطْعًا، وَبِهِ قَطَعَ جَمَاعَةٌ وأصحهما: وَبِهِ قَطَعَ المُصَنِّفُ وَالأَكْثَرُونَ فِيهِ وَجْهَانِ: أصحهما: بِاتِّفَاقِهِمْ ليْسَ بِشَهِيدٍ والثاني: شَهِيدٌ أَمَّا مَنْ قَتَلهُ اللصُوصُ فَفِيهِ طَرِيقَانِ: أَصَحُّهُمَا وَبِهِ قَطَعَ المُصَنِّفُ وَالمَاوَرْدِيُّ وَآخَرُونَ ليْسَ بِشَهِيدٍ قَطْعًا.
والثاني: أَنَّهُ كَمَنْ قَتَلهُ قُطَّاعُ الطَّرِيقِ فَيَكُونُ فِيهِ الطَّرِيقَانِ. وَلوْ دَخَل حَرْبِيٌّ دَارَ الإِسْلامِ فَقَتَل مُسْلمًا اغْتِيَالًا فَوَجْهَانِ، حَكَاهُمَا إمَامُ الحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ الصحيح: بِاتِّفَاقِهِمْ ليْسَ بِشَهِيدٍ. وَلوْ أَسَرَ الكُفَّارُ مُسْلمًا ثُمَّ قَتَلوهُ صَبْرًا فَفِي كَوْنِهِ شَهِيدًا فِي تَرْكِ الغُسْل وَالصَّلاةِ عَليْهِ وَجْهَانِ: حَكَاهُمَا صَاحِبُ الحَاوِي وَغَيْرُهُ أَصَحُّهُمَا ليْسَ بِشَهِيدٍ.