ج / 5 ص -10- قَال المُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَالسُّنَّةُ أَنْ يَلبَسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ؛ لمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم"كَانَ يَلبَسُ فِي العِيدِ بُرْدَ حِبَرَةَ""
الشرح: هَذَا الحَدِيثُ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ - وَالحِبَرَةُ بِكَسْرِ الحَاءِ وَفَتْحِ البَاءِ المُوَحَّدَةِ - وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الثِّيَابِ مَعْرُوفٌ بِاليَمَنِ وَهُوَ عَصَبُ اليَمَنِ قَال الأَزْهَرِيُّ: هُوَ نَوْعٌ مِنْ البُرْدِ أُضِيفَتْ إلى وَشْيِهِ، وَالبُرْدُ مُفْرَدَةٌ وَالجَمْعُ بُرُودٌ، وَيُقَال بُرْدٌ مُحَبَّرٌ أَيْ مُزَيَّنٌ، وَاتَّفَقَ الأَصْحَابُ مَعَ الشَّافِعِيِّ عَلى اسْتِحْبَابِ لبْسِ أَحْسَنِ الثِّيَابِ فِي العِيدِ وَدَليلهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ قَال"وَجَدَ عُمَرُ رضي الله عنه جُبَّةً مِنْ إسْتَبْرَقٍ تُبَاعُ فَقَال: يَا رَسُول اللهِ ابْتَعْ هَذِهِ تَجَمَّل بِهَا للعِيدِ وَالوُفُودِ، فَقَال رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم: إنَّمَا هَذِهِ لبَاسُ مَنْ لا خَلاقَ لهُ"رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلمٌ.
قَال أَصْحَابُنَا: وَأَفْضَل أَلوَانِ الثِّيَابِ البَيَاضُ، فَعَلى هَذَا إنْ اسْتَوَى ثَوْبَانِ فِي الحُسْنِ وَالنَّفَاسَةِ فَالأَبْيَضُ أَفْضَل، فَإِنْ كَانَ الأَحْسَنُ غَيْرَ أَبْيَضَ فَهُوَ أَفْضَل مِنْ الأَبْيَضِ فِي هَذَا اليَوْمِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَعَمَّمَ، فَإِنْ لمْ يَجِدْ إلا ثَوْبًا اُسْتُحِبَّ أَنْ يَغْسِلهُ للعِيدِ وَالجُمُعَةِ قَال أَصْحَابُنَا: وَيَسْتَوِي فِي اسْتِحْبَابِ تَحْسِينِ الثِّيَابِ وَالتَّنْظِيفِ وَالتَّطَيُّبِ وَإِزَالةِ الشَّعْرِ وَالرَّائِحَةِ الكَرِيهَةِ الخَارِجُ إلى الصَّلاةِ وَالقَاعِدُ فِي بَيْتِهِ؛ لأَنَّهُ يَوْمُ زِينَةٍ فَاسْتَوَوْا فِيهِ.
قَال المُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَيُسْتَحَبُّ أَنْ تَحْضُرَ النِّسَاءُ غَيْرُ ذَوَاتِ الهَيْئَاتِ، لمَا رَوَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ قَالتْ:"كَانَ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم يُخْرِجُ العَوَاتِقَ وَذَوَاتِ الخُدُورِ وَالحُيَّضَ فِي العِيدِ، فَأَمَّا الحُيَّضُ فَكُنَّ يَعْتَزِلنَ المُصَلى وَيَشْهَدْنَ الخَيْرَ، وَدَعْوَةَ المُسْلمِينَ"وَإِذَا أَرَدْنَ الحُضُورَ تَنَظَّفْنَ بِالمَاءِ، وَلا يَتَطَيَّبْنَ، وَلا يَلبَسْنَ الشُّهْرَةَ مِنْ الثِّيَابِ؛ لقَوْلهِ صلى الله عليه وسلم"لا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللهِ مَسَاجِدَ اللهِ، وَليَخْرُجْنَ تَفِلاتٍ"أَيْ غَيْرُ مُتَعَطِّرَاتٍ، وَلأَنَّهَا إذَا تَطَيَّبَتْ وَلبِسَتْ الشُّهْرَةَ مِنْ الثِّيَابِ دَعَا ذَلكَ إلى الفَسَادِ".
الشرح: حَدِيثُ أُمِّ عَطِيَّةَ رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلمٌ، وَأَمَّا حَدِيثُ"لا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللهِ مَسَاجِدَ اللهِ"فَرَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلمٌ، ذَكَرَهُ البُخَارِيُّ فِي كِتَابِ صَلاةِ الجُمُعَةِ وَأَمَّا الزِّيَادَةُ التِي فِيهِ"وَليَخْرُجْنَ تَفِلاتٍ"فَرَوَاهَا أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَلمْ يُضَعِّفْهُ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ مَا لمْ يُضَعِّفْهُ فَهُوَ حَسَنٌ عِنْدَهُ، وَرِوَايَةُ أَبِي دَاوُد"وَليَخْرُجْنَ وَهُنَّ تَفِلاتٌ"وَقَوْلهُ: تَفِلاتٌ بِفَتْحِ التَّاءِ المُثَنَّاةِ فَوْقَ وَكَسْرِ الفَاءِ، وَالعَوَاتِقُ جَمْعُ عَاتِقٍ وَهِيَ البِنْتُ التِي بَلغَتْ، وَقَال أَبُو زَيْدٍ: هِيَ البَالغَةُ مَا لمْ تَعْنِسْ، وَقِيل: هِيَ التِي لمْ تَتَزَوَّجْ قَال ثَعْلبٌ: سُمِّيَتْ عَاتِقًا لأَنَّهَا عَتَقَتْ مِنْ ضَرِّ أَبَوَيْهَا وَاسْتِخْدَامهمَا وَامْتِهَانِهَا بِالخُرُوجِ فِي الأَشْغَال وَقَال الأَصْمَعِيُّ: هِيَ فَوْقَ المُعْصِرِ وَقَال ثَابِتٌ: هِيَ البِكْرُ التِي لمْ تَخْرُجْ إلى زَوْجٍ، وَقَال الخَطَّابِيُّ: هِيَ البِنْتُ عَقِبَ بُلوغِهَا قَال صَاحِبُ المَطَالعِ: وَقِيل هِيَ التِي أَشْرَفَتْ عَلى البُلوغِ وَقَوْلهُ: ذَوَاتُ الخُدُورِ جَمْعُ خِدْرٍ وَهُوَ السِّتْرُ قَوْلهُ: الشُّهْرَةُ مِنْ الثِّيَابِ هُوَ بِضَمِّ الشِّينِ.
أما الأحكام: فَقَال الشَّافِعِيُّ وَالأَصْحَابُ رحمهم الله: يُسْتَحَبُّ للنِّسَاءِ غَيْرِ ذَوَاتِ الهَيْئَاتِ حُضُورُ صَلاةِ العِيدِ وَأَمَّا ذَوَاتُ الهَيْئَاتِ وَهُنَّ اللوَاتِي يُشْتَهَيْنَ لجَمَالهِنَّ فَيُكْرَهُ حُضُورُهُنَّ، هَذَا هُوَ المَذْهَبُ وَالمَنْصُوصُ، وَبِهِ قَطَعَ الجُمْهُورُ وَحَكَى الرَّافِعِيُّ وَجْهًا أَنَّهُ لا يُسْتَحَبُّ لهُنَّ الخُرُوجُ بِحَالٍ، وَالصَّوَابُ