ج / 4 ص -266- وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا وَالْجُمْهُورُ بِحَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم"كَانَ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ حِينَ تَمِيلُ الشَّمْسُ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ:"كُنَّا نَجْمَعُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ ثُمَّ نَرْجِعُ نَتَتَبَّعُ الْفَيْءَ". وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ فِعْلِ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ:"صَلَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَالْأَئِمَّةُ بَعْدَهُمْ كُلَّ جُمُعَةٍ بَعْدَ الزَّوَالِ".
والجواب: عَنْ احْتِجَاجِهِمْ بِحَدِيثِ جَابِرٍ وَمَا بَعْدَهُ أَنَّهَا كُلَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى شِدَّةِ الْمُبَالَغَةِ فِي تَعْجِيلِهَا بَعْدَ الزَّوَالِ مِنْ غَيْرِ إيرَادٍ وَلَا غَيْرِهِ، هَذَا مُخْتَصَرُ الْجَوَابِ عَنْ الْجَمِيعِ، وَحَمَلْنَا عَلَيْهِ الْجَمِيعَ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مِنْ الطَّرَفَيْنِ، وَعَمَلُ الْمُسْلِمِينَ قَاطِبَةً أَنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَهَا إلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ، وَتَفْصِيلُ الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: حَدِيثُ جَابِرٍ فِيهِ إخْبَارٌ أَنَّ الصَّلَاةَ وَالرَّوَاحَ إلَى جِمَالِهِمْ كَانَا حِينَ الزَّوَالِ لَا أَنَّ الصَّلَاةَ قَبْلَهُ.
فإن قيل: قَوْلُهُ: حِينَ الزَّوَالِ لَا يَسَعُ هَذِهِ الْجُمْلَةَ فَجَوَابُهُ: أَنَّ الْمُرَادَ نَفْسُ الزَّوَالِ، وَمَا يُدَانِيهِ، كَقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم"صَلَّى بِي الْعَصْرَ حِينَ كَانَ كُلُّ شَيْءٍ مِثْلَ ظِلِّهِ".
والجواب: عَنْ حَدِيثِ سَلَمَةَ: أَنَّهُ حُجَّةٌ لَنَا فِي كَوْنِهَا بَعْدَ الزَّوَالِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْحِيطَانِ شَيْءٌ مِنْ الْفَيْءِ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ لَيْسَ لَهَا فَيْءٌ كَثِيرٌ بِحَيْثُ يَسْتَظِلُّ بِهِ الْمَارُّ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: وَلَيْسَ لِلْحِيطَانِ ظِلٌّ يُسْتَظَلُّ بِهِ، فَلَمْ يَنْفِ أَصْلَ الظِّلِّ وَإِنَّمَا نَفَى كَثِيرَهُ الَّذِي يُسْتَظَلُّ بِهِ، وَأَوْضَحُ مِنْهُ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى:"نَتَتَبَّعُ الْفَيْءَ"فَهَذَا فِيهِ تَصْرِيحٌ بِوُجُودِ الْفَيْءِ، لَكِنَّهُ قَلِيلٌ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ حِيطَانَهُمْ قَصِيرَةٌ وَبِلَادَهُمْ مُتَوَسِّطَةٌ مِنْ الشَّمْسِ، وَلَا يَظْهَرُ هُنَاكَ الْفَيْءُ بِحَيْثُ يُسْتَظَلُّ بِهِ إلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ بِزَمَانٍ طَوِيلٍ. وَأَمَّا حَدِيثُ سَهْلٍ:"مَا كُنَّا نَقِيلُ وَلَا نَتَغَذَّى إلَّا بَعْدَ الْجُمُعَةِ" (فَمَعْنَاهُ) : أَنَّهُمْ كَانُوا يُؤَخِّرُونَ الْقَيْلُولَةَ وَالْغِذَاءَ فِي هَذَا الْيَوْمِ إلَى مَا بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّهُمْ نُدِبُوا إلَى التَّبْكِيرِ إلَيْهَا، فَلَوْ اشْتَغَلُوا بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ قَبْلَهَا خَافُوا فَوْتَهَا أَوْ فَوْتَ التَّبْكِيرِ إلَيْهَا، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ هَذَا مَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيحِ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَهْلِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كُنْت أَرَى طُنْفُسَةً لِعَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ تُطْرَحُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إلَى جِدَارِ الْمَسْجِدِ الْغَرْبِيِّ، فَإِذَا غَشِيَ الطُّنْفُسَةَ كُلَّهَا ظِلُّ الْجِدَارِ خَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه ثُمَّ نَخْرُجُ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فَنَقِيلُ قَائِلَةَ الضُّحَى. وَأَمَّا الْأَثَرُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ فَضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِهِمْ؛ لِأَنَّ ابْنَ سِيلَانَ ضَعِيفٌ عِنْدَهُمْ، وَلَوْ صَحَّ لَكَانَ مُتَأَوَّلًا لِمُخَالَفَةِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.
فرع: فِي مَذَاهِبِهِمْ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ إذَا خَرَجَ وَقْتُ الظُّهْرِ وَهُمْ فِيهَا
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهَا تَفُوتُ الْجُمُعَةُ وَيُتِمُّونَهَا ظُهْرًا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَبْطُلُ وَيَسْتَأْنِفُونَ الظُّهْرَ، وَقَالَ عَطَاءٌ: يُتِمُّهَا جُمُعَةً، وَقَالَ أَحْمَدُ: إنْ كَانَ صَلَّى مِنْهَا رَكْعَةً أَتَمَّهَا جُمُعَةً وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ يُتِمُّهَا ظُهْرًا.
قال المصنف رحمه الله تعالى:"وَلَا تَصِحُّ الْجُمُعَةُ حَتَّى يَتَقَدَّمَهَا خُطْبَتَانِ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ"صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي"وَلَمْ يُصَلِّ الْجُمُعَةَ إلَّا بِخُطْبَتَيْنِ، وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ"