ج / 4 ص -227- قال المصنف رحمه الله تعالى:"قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله فِي الْأُمِّ: فَإِنْ تَوَقَّى الْمُحَارِبُ لُبْسَ الدِّيبَاجِ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ، فَإِنْ لَبِسَهُ فَلَا بَأْسَ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يُحْصِنُهُ وَيَمْنَعُ مِنْ وُصُولِ السِّلَاحِ إلَيْهِ".
الشرح: قَالَ أَصْحَابُنَا: يَجُوزُ لِلرَّجُلِ لُبْسُ الدِّيبَاجِ فِي حَالِ مُفَاجَأَةِ الْحَرْبِ وَالْقِتَالِ إذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ، وَكَذَلِكَ يَجُوزُ الدِّيبَاجُ الثَّخِينُ الَّذِي لَا يَقُومُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ فِي دَفْعِ السِّلَاحِ، وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ فِي حَالِ الضَّرُورَةِ، وَلَا يُقَالُ: إنَّهُ مَكْرُوهٌ فَلَوْ وُجِدَ غَيْرُهُ مِمَّا يَقُومُ مَقَامَهُ فَوَجْهَانِ الصحيح: وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْأَكْثَرُونَ تَحْرِيمُهُ، لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ قِيَاسًا عَلَى الدِّرْعِ الْمَنْسُوجَةِ بِالذَّهَبِ، فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ فِي الْحَرْبِ إلَّا إذَا لَمْ يَجِدْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ. والثاني: جَوَازُهُ مَعَ الْكَرَاهَةِ صَرَّحَ بِهِ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا. وَوَجْهُهُ الْقِيَاسُ عَلَى التَّضَبُّبِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بِالْفِضَّةِ لِلْحَاجَةِ وَإِنْ وَجَدَ نُحَاسًا وَغَيْرَهُ. وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدِّرْعِ الْمَنْسُوجَةِ بِالذَّهَبِ بِأَنَّ الْحَرِيرَ يُسَامَحُ بِقَلِيلِهِ كَالْعَلَمِ وَالْجَيْبِ وَنَحْوِهِمَا؛ وَعَمَّا دُونَ نِصْفِ الثَّوْبِ؛ وَعِبَارَةُ الشَّافِعِيِّ وَالْمَحَامِلِيِّ فِي التَّجْرِيدِ وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْمُصَنِّفِ فِي التَّنْبِيهِ وَصَاحِبِ الْبَيَانِ وَآخَرِينَ أَنَّهُ يَجُوزُ لُبْسُ الدِّيبَاجِ الثَّخِينِ الَّذِي لَا يَقُومُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ فِي دَفْعِ السِّلَاحِ.
قال المصنف رحمه الله تعالى:"وَإِنْ احْتَاجَ إلَى لُبْسِ الْحَرِيرِ لِلْحِكَّةِ جَازَ لَهُ، لِمَا رَوَى أَنَسٌ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم"رَخَّصَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ فِي لُبْسِ الْحَرِيرِ مِنْ الْحِكَّةِ"."
الشرح: حَدِيثُ أَنَسٍ هَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَلَفْظُهُ"رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِلزُّبَيْرِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي لُبْسِ الْحَرِيرِ لِحِكَّةٍ بِهِمَا"وَالْحِكَّةُ - بِكَسْرِ الْحَاءِ - وَوَقَعَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي الْوَسِيطِ وَقَالَ: رَخَّصَ لِحَمْزَةَ، وَهُوَ غَلَطٌ وَصَوَابُهُ كَمَا هُنَا، قَالَ أَصْحَابُنَا: يَجُوزُ لُبْسُ الْحَرِيرِ لِلْحِكَّةِ وَلِلْجَرَبِ وَنَحْوِهِ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ، وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَحَكَاهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّنْبِيهِ وَالرَّافِعِيُّ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَيَجُوزُ لِدَفْعِ الْقُمَّلِ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ، وَفِيهِ وَجْهٌ حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا فِي السَّفَرِ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ، لِأَنَّهُ ثَبَتَ فِي رِوَايَةٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ رَخَّصَ لَهُمَا فِي ذَلِكَ فِي السَّفَرِ، وَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ: جَوَازُهُ مُطْلَقًا وَبِهِ قَطَعَ كَثِيرُونَ وَاقْتَضَاهُ إطْلَاقُ الْبَاقِينَ.
قال المصنف رحمه الله تعالى:"وَأَمَّا الذَّهَبُ فَلَا يَحِلُّ لِلرِّجَالِ اسْتِعْمَالُهُ لِمَا رَوَى عَلِيٌّ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ فِي الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ"إنَّ هَذَيْنِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي حِلٌّ لِإِنَاثِهَا"وَلَا فَرْقَ فِي الذَّهَبِ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ التَّخَتُّمِ بِالذَّهَبِ، فَحُرِّمَ الْخَاتَمُ مَعَ قِلَّتِهِ، وَلِأَنَّ السَّرَفَ فِي الْجَمِيعِ ظَاهِرٌ فَإِنْ كَانَ فِي الثَّوْبِ ذَهَبٌ قَدْ صَدِئَ وَتَغَيَّرَ بِحَيْثُ لَا يَبِينُ لَمْ يَحْرُمْ لُبْسُهُ. لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ سَرَفٌ ظَاهِرٌ، فَإِنْ كَانَ لَهُ دِرْعٌ مَنْسُوجَةٌ بِالذَّهَبِ أَوْ بَيْضَةٌ مَطْلِيَّةٌ بِالذَّهَبِ، فَأَرَادَ لُبْسَهَا فِي الْحَرْبِ - فَإِنْ وَجَدَ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ - لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ وَفَاجَأَتْهُ الْحَرْبُ جَازَ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ ضَرُورَةٍ فَإِنْ اُضْطُرَّ إلَى اسْتِعْمَالِ الذَّهَبِ جَازَ لِمَا رُوِيَ"أَنَّ