ج / 4 ص -222- فرع: إذَا رَأَوْا سَوَادًا أَوْ إبِلًا أَوْ شَجَرًا أَوْ غَيْرَهُ، فَظَنُّوهُ عَدُوًّا فَصَلَّوْا صَلَاةَ شِدَّةِ الْخَوْفِ فَبَانَ الْحَالُ، فَفِي وُجُوبِ الْإِعَادَةِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ: أحدهما: تَجِبُ الْإِعَادَةُ لِعَدَمِ الْخَوْفِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَهُوَ نَصُّهُ في"الأم"وَالْمُخْتَصَرِ والثاني: لَا إعَادَةَ وَهُوَ نَصُّهُ فِي الْإِمْلَاءِ لِوُجُودِ الْخَوْفِ حَالَ الصَّلَاةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي مَحِلِّ الْقَوْلَيْنِ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: هُمَا إذَا أَخْبَرَهُمْ ثِقَةٌ بِالْخَوْفِ فَبَانَ خِلَافُهُ، فَإِنْ ظَنُّوا الْعَدُوَّ مِنْ غَيْرِ إخْبَارٍ وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ قَوْلًا وَاحِدًا. وَقَالَ الْجُمْهُورُ: هُمَا جَارِيَانِ مُطْلَقًا، وَهُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ، وَحَكَى الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ وَالْبَغَوِيُّ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ: (الْجَدِيدُ) : تَجِبُ الْإِعَادَةُ والثاني: قَالَهُ فِي الْإِمْلَاءِ لَا إعَادَةَ (وَالْقَدِيمُ) : إنْ كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ، وَإِنْ كَانَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَا؛ لِأَنَّ الْخَوْفَ غَالِبٌ فِيهَا، وَإِذَا ضُمَّ إلَيْهَا الطَّرِيقُ السَّابِقُ صَارَتْ أَرْبَعَةَ أَقْوَالٍ: أحدها: يُعِيدُونَ والثاني: لَا والثالث: يُعِيدُونَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ والرابع: يُعِيدُونَ إنْ لَمْ يُخْبِرْهُمْ ثِقَةٌ وَهُوَ نَصُّهُ فِي الْإِمْلَاءِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَصَحِّ مِنْ الْخِلَافِ فَصَحَّحَ الْمُصَنِّفُ هُنَا وَفِي التَّنْبِيهِ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ وَالْمُقْنِعِ وَالشَّيْخُ نَصْرٌ فِي تَهْذِيبِهِ وَصَاحَبَا الْعُدَّةِ وَالْبَيَانِ عَدَمَ الْإِعَادَةِ، وَصَحَّحَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ وَالْبَغَوِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ وُجُوبَ الْإِعَادَةِ.
وقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: لَعَلَّهُ الْأَصَحُّ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ وَدَاوُد؛ وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا: وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: لَيْسَ هُوَ مَذْهَبَ الْمُزَنِيِّ بَلْ هُوَ إلْزَامٌ لَهُ عَلَى الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ مَذْهَبَ الْمُزَنِيِّ أَنَّ كُلَّ مَنْ صَلَّى بِحَسَبِ طَاقَتِهِ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، قُلْتُ: الصَّحِيحُ وُجُوبُ الْإِعَادَةِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُمْ تَيَقَّنُوا الْغَلَطَ فِي الْقِبْلَةِ. وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي احْتِجَاجِهِ لِلْقَوْلِ الْآخَرِ: (لَا إعَادَةَ كَمَا لَوْ رَأَوْا عَدُوًّا فَصَلَّوْهَا ثُمَّ بَانَ أَنَّ الْعَدُوَّ لَمْ يَكُنْ قَاصِدًا لَهُمْ) فَالْجَوَابُ عَنْهُ: أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ لَا يُنْسَبُونَ فِيهَا إلَى تَفْرِيطٍ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ لَا اطِّلَاعَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْغَلَطِ فِي سَوَادٍ فَإِنَّهُمْ مُفَرِّطُونَ فِي تَامَّةٍ1، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
هَذَا كُلُّهُ إذَا بَانَ لَهُمْ أَنَّ السَّوَادَ لَيْسَ عَدُوًّا وَكَذَا لَوْ شَكُّوا فِيهِ فَحُكْمُهُ كَمَا لَوْ تَيَقَّنُوا أَنَّهُ لَيْسَ عَدُوًّا. نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْمُخْتَصَرِ أَمَّا إذَا تَحَقَّقُوا الْعَدُوَّ فَصَلَّوْا صَلَاةَ شِدَّةِ الْخَوْفِ ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ كَانَ دُونَهُمْ حَائِلٌ كَخَنْدَقٍ أَوْ مَاءٍ أَوْ نَارٍ وَمَا أَشْبَهَهُ فَفِيهِ طَرِيقَانِ مَشْهُورَانِ، ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ هُنَا وَفِي التَّنْبِيهِ وَجُمْهُورُ الْعِرَاقِيِّينَ أحدهما: الْقَطْعُ بِوُجُوبِ الْإِعَادَةِ لِتَقْصِيرِهِمْ فِي تَأَمُّلِ الْحَائِلِ، وَأَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي مَسْأَلَةِ السَّوَادِ السَّابِقَةِ، وَبِهَذَا قَطَعَ جُمْهُورُ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَصَاحِبُ الْحَاوِي وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الصَّحِيحَ هُنَا وُجُوبُ الْإِعَادَةِ قَالَ الْخُرَاسَانِيُّونَ: وَيَجْرِي الْقَوْلَانِ فِي كُلِّ سَبَبٍ جَهِلُوهُ بِحَيْثُ لَوْ عَلِمُوهُ امْتَنَعَتْ صَلَاةُ شِدَّةِ الْخَوْفِ كَالْأَمْثِلَةِ السَّابِقَةِ، وَكَمَا لَوْ كَانَ بِقُرْبِهِمْ حِصْنٌ يُمْكِنُ التَّحْصِينُ فِيهِ، أَوْ كَانَ الْعَدُوُّ قَلِيلًا وَظَنُّوهُ كَثِيرًا، أَوْ كَانَ هُنَاكَ مَدَدٌ لِلْمُسْلِمِينَ. قَالَ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ: لَوْ صَلَّوْا فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ صَلَاةَ عُسْفَانَ جَرَى الْقَوْلَانِ وَلَوْ صَلَّوْا صَلَاةَ ذَاتِ الرِّقَاعِ - فَإِنْ جَوَّزْنَاهَا فِي الْأَمْنِ - فَهُنَا أَوْلَى، وَإِلَّا جَرَى الْقَوْلَانِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 يريد صلاة تامة فحذف الموصوف اكتفاء بالصفة (ط)