ج / 4 ص -218- رُكْبَانًا مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ وَغَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا لقوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانا} (البقرة: من الآية239) قَالَ ابْنُ عُمَرَ:"مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ وَغَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا"وَرَوَى نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ:"إذَا كَانَ الْخَوْفُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ صَلَّى رَاكِبًا وَقَائِمًا يُومِئُ إيمَاءً"قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَضْرِبَ الضَّرْبَةَ وَيَطْعَنَ الطَّعْنَةَ، فَإِنْ تَابَعَ أَوْ عَمِلَ مَا يَطُولُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ رحمهما الله - أَنَّهُ قَالَ: إنْ لَمْ يَكُنْ مُضْطَرًّا إلَيْهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ كَانَ مُضْطَرًّا إلَيْهِ لَمْ تَبْطُلْ كَالْمَشْيِ وَحَكَى عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ قَالَ: إنْ اضْطَرَّ إلَيْهِ فَعَلَ وَلَكِنْ تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ كَمَا نَقُولُ فِيمَنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً، وَلَا تُرَابًا: إنَّهُ يُصَلِّي وَيُعِيدُ فَإِنْ اسْتَفْتَحَ الصَّلَاةَ رَاكِبًا ثُمَّ أَمِنَ فَنَزَلَ فَإِنْ اسْتَدْبَرَ الْقِبْلَةَ فِي النُّزُولِ - بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ الْقِبْلَةَ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَدْبِرْ قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله: بَنَى عَلَى صَلَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ قَلِيلٌ فَلَمْ يُمْنَعْ الْبِنَاءَ وَإِنْ اسْتَفْتَحَهَا رَاجِلًا فَخَافَ فَرَكِبَ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: إنْ لَمْ يَكُنْ مُضْطَرًّا إلَيْهِ اُبْتُدِئَ؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ كَثِيرٌ لَا ضَرُورَةَ بِهِ إلَيْهِ. وَإِنْ كَانَ مُضْطَرًّا لَمْ تَبْطُلْ؛ لِأَنَّهُ مُضْطَرٌّ إلَيْهِ فَلَمْ تَبْطُلْ كَالْمَشْيِ، وَقَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ أَقْيَسُ، وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ بِظَاهِرِ النَّصِّ
إذَا رَأَوْا سَوَادًا فَظَنُّوهُ عَدُوًّا وَصَلَّوْا صَلَاةَ شِدَّةِ الْخَوْفِ ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَدُوًّا فَفِيهِ قَوْلَانِ أحدهما: تَجِبُ الْإِعَادَةُ لِأَنَّهُ فَرْضٌ فَلَمْ يَسْقُطْ بِالْخَطَأِ كَمَا لَوْ ظَنَّ أَنَّهُ أَتَى بِفَرْضٍ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِهِ والثاني: لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي جَوَازِ الصَّلَاةِ شِدَّةُ الْخَوْفِ وَالْعِلَّةُ مَوْجُودَةٌ فِي حَالِ الصَّلَاةِ فَوَجَبَ أَنْ يُجْزِئَهُ كَمَا لَوْ رَأَى عَدُوًّا فَظَنَّ أَنَّهُمْ عَلَى قَصْدِهِ فَصَلَّى بِالْإِيمَاءِ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا عَلَى قَصْدِهِ فَأَمَّا إذَا رَأَى الْعَدُوَّ فَخَافَهُمْ فَصَلَّى صَلَاةَ شِدَّةِ الْخَوْفِ ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَهُمْ حَاجِزٌ مِنْ خَنْدَقٍ أَوْ مَاءٍ فَفِيهِ طَرِيقَانِ، مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: عَلَى قَوْلَيْنِ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: تَجِبُ الْإِعَادَةُ هَاهُنَا قَوْلًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ فَرَّطَ فِي تَرْكِ تَأَمُّلِ الْمَانِعِ فَلَزِمَهُ الْإِعَادَةُ فَأَمَّا إذَا غَشِيَهُ سَيْلٌ أَوْ طَلَبَهُ سَبُعٌ جَازَ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ شِدَّةِ الْخَوْفِ، فَإِذَا أَمِنَ لَمْ تَلْزَمْهُ الْإِعَادَةُ. قَالَ الْمُزَنِيّ: قِيَاسُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ رحمه الله أَنَّ الْإِعَادَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ عُذْرٌ نَادِرٌ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ جِنْسَ الْخَوْفِ مُعْتَادٌ فَسَقَطَ الْفَرْضُ بِجَمِيعِهِ"1."
الشرح: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ هَذَا صَحِيحٌ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ بِقَرِيبٍ مِنْ مَعْنَاهُ، وَسَبَقَ بَيَانُهُ فِي أَوَّلِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ. وَذَكَرْنَا هُنَاكَ أَيْضًا أَنَّ قوله تعالى:"رِجَالًا"جَمْعُ رَاجِلٍ لَا جَمْعُ رَجُلٍ. وَقَوْلُهُ (وَيَطْعُنُ) هُوَ بِضَمِّ الْعَيْنِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَيُقَالُ بِفَتْحِهَا، يُقَالُ طَعَنَ فِي النَّسَبِ وَنَحْوِهِ يَطْعَنُ - بِفَتْحِ الْعَيْنِ - وَيَطْعُنُ بِالرُّمْحِ بِضَمِّهَا، وَقِيلَ لُغَتَانِ فِيهِمَا.
أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ: فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ رحمهم الله: إذَا الْتَحَمَ الْقِتَالُ، وَلَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنْ تَرْكِهِ بِحَالٍ لِقِلَّتِهِمْ وَكَثْرَةِ الْعَدُوِّ، وَاشْتَدَّ الْخَوْفُ، وَإِنْ لَمْ يَلْتَحِمْ الْقِتَالُ فَلَمْ يَأْمَنُوا أَنْ يَرْكَبُوا أَكْتَافَهُمْ لَوْ وَلَّوْا عَنْهُمْ وَانْقَسَمُوا فِرْقَتَيْنِ وَجَبَ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ بِحَسْبِ الْإِمْكَانِ، وَلَيْسَ لَهُمْ تَأْخِيرُهَا عَنْ الْوَقْتِ بِلَا خِلَافٍ، وَيُصَلُّونَ رُكْبَانًا وَمُشَاةً، وَلَهُمْ تَرْكُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ إذَا لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 هذه القطعة التي أثبتناها بين المعقوفين إنما هي فصل كبير في متن المهذب سقط من ش و ق فتأمل (ط)