ج / 4 ص -203- يُوسُفَ: كَانَتْ مُخْتَصَّةً بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَمَنْ يُصَلِّي مَعَهُ وَذَهَبَتْ بِوَفَاتِهِ. وَقَالَ الْمُزَنِيّ: كَانَتْ ثُمَّ نُسِخَتْ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَاحْتُجَّ لِأَبِي يُوسُفَ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ } (النساء: من الآية102) قَالَ: وَالتَّغْيِيرُ الَّذِي يَدْخُلُهَا كَانَ يَنْجَبِرُ بِفِعْلِهَا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِخِلَافِ غَيْرِهِ وَاحْتَجَّ الْمُزَنِيّ بِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَاتَهُ صَلَوَاتُ يَوْمِ الْخَنْدَقِ، وَلَوْ كَانَتْ صَلَاةُ الْخَوْفِ جَائِزَةً لَفَعَلَهَا، وَلَمْ يُفَوِّتْ الصَّلَاةَ.
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِالْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، وَالْأَصْلُ هُوَ التَّأَسِّي بِهِ صلى الله عليه وسلم وَالْخِطَابُ مَعَهُ خِطَابٌ لِأُمَّتِهِ. وَبِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم"صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ كَمَا سَبَقَ، وَهُوَ عَامٌّ، وَبِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ فَقَدْ ثَبَتَتْ الْآثَارُ الصَّحِيحَةُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم أَنَّهُمْ صَلَّوْهَا فِي مَوَاطِنَ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي مَجَامِعَ بِحَضْرَةِ كِبَارٍ مِنْ الصَّحَابَةِ. مِمَّنْ صَلَّاهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِي حُرُوبِهِ بِصِفِّينَ وَغَيْرِهَا، وَحَضَرَهَا مِنْ الصَّحَابَةِ خَلَائِقُ لَا يَنْحَصِرُونَ، وَمِنْهُمْ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ وَحُذَيْفَةُ وَسَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ وَغَيْرُهُمْ، وَقَدْ رَوَى أَحَادِيثَهُمْ الْبَيْهَقِيُّ وَبَعْضُهَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَالصَّحَابَةُ الَّذِينَ رَأَوْا صَلَاةَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الْخَوْفِ لَمْ يَحْمِلْهَا أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى تَخْصِيصِهَا بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلَا بِزَمَنِهِ، بَلْ رَوَاهَا كُلُّ وَاحِدٍ، وَهُوَ يَعْتَقِدُهَا مَشْرُوعَةً عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي رَآهَا.
وَأَمَّا الْجَوَابُ: عَنْ احْتِجَاجِهِمْ بِالْآيَةِ: فَقَدْ سَبَقَ أَنَّهَا حُجَّةٌ لَنَا [لِدَلَالَةِ] الْخِطَابِ وَالْأَصْلُ التَّأَسِّي.
وَأَمَّا الْجَوَابُ: عَنْ انْجِبَارِ الصَّلَاةِ بِفِعْلِهَا خَلْفَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: فَقَدْ قَالَ أَصْحَابُنَا: الصَّلَاةُ خَلْفَهُ صلى الله عليه وسلم فَضِيلَةٌ، وَلَا يَجُوزُ تَرْكُ وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ لِتَحْصِيلِ فَضِيلَةٍ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ صَلَاةُ الْخَوْفِ جَائِزَةً مُطْلَقًا لَمَا فَعَلُوهَا (وَأَمَّا دَعْوَى) الْمُزَنِيِّ النَّسْخَ فَجَوَابُهُ: أَنَّ النَّسْخَ لَا يَثْبُتُ إلَّا إذَا عَلِمْنَا تَقَدُّمَ الْمَنْسُوخِ وَتَعَذُّرَ الْجَمْعِ بَيْنَ النَّصَّيْنِ، وَلَمْ يُوجَدْ هُنَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بَلْ الْمَنْقُولُ الْمَشْهُورُ أَنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ نَزَلَتْ بَعْدَ الْخَنْدَقِ فَكَيْفَ يُنْسَخُ بِهِ، وَلِأَنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ جَائِزَةٌ لَيْسَتْ وَاجِبَةً فَلَا يَلْزَمُهُ مِنْ تَرْكِهَا النَّسْخُ، وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ أَعْلَمُ بِذَلِكَ فَلَوْ كَانَتْ مَنْسُوخَةً لَمَا فَعَلُوهَا، وَلَأَنْكَرُوا عَلَى فَاعِلِيهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قال المصنف رحمه الله تعالى:"وَإِذَا أَرَادَ الصَّلَاةَ لَمْ يَخْلُ: إمَّا أَنْ يَكُونَ الْعَدُوُّ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ أَوْ فِي غَيْرِهَا، فَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِهَا، وَلَمْ يَأْمَنُوا وَفِي الْمُسْلِمِينَ كَثْرَةٌ جَعَلَ الْإِمَامُ النَّاسَ طَائِفَتَيْنِ طَائِفَةً فِي وَجْهِ الْعَدُوِّ، وَطَائِفَةً يُصَلِّي مَعَهُمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ بِالطَّائِفَةِ الَّتِي مَعَهُ جَمِيعَ الصَّلَاةِ، ثُمَّ تَخْرُجَ إلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ [ثُمَّ] تَجِيءَ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى فَتُصَلِّيَ مَعَهُ، فَيَكُونَ مُتَنَفِّلًا بِالثَّانِيَةِ وَهُمْ مُفْتَرِضُونَ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رَوَى أَبُو بَكْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم"صَلَّى صَلَاةَ الْخَوْفِ بِاَلَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَتَيْنِ وَبِاَلَّذِينَ جَاءُوا رَكْعَتَيْنِ فَكَانَتْ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَرْبَعًا وَلِلَّذِينَ جَاءُوا رَكْعَتَيْنِ"وَيَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ بَعْضَ الصَّلَاةِ وَبِالْأُخْرَى الْبَعْضَ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ أَنْ يُصَلِّيَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا جَمِيعَ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ أَخَفُّ، فَإِنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ صَلَّى بِالطَّائِفَةِ الَّتِي مَعَهُ رَكْعَةً وَثَبَتَ قَائِمًا وَأَتَمَّتْ الطَّائِفَةُ لِأَنْفُسِهِمْ. وَتَنْصَرِفُ إلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ، وَتَجِيءُ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى فَيُصَلِّي مَعَهُمْ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ مِنْ صَلَاتِهِ؛ وَثَبَتَ جَالِسًا وَأَتَمَّتْ الطَّائِفَةُ [الْأُخْرَى] لِأَنْفُسِهِمْ ثُمَّ يُسَلِّمُ بِهِمْ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رَوَى صَالِحُ بْنُ خَوَّاتٍ"عَمَّنْ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ صَلَاةَ الْخَوْفِ فَذَكَرَ مِثْلَ مَا قُلْنَا""