ج / 4 ص -67- قال المصنف رحمه الله تعالى:"وَفِعْلُهَا لِلرِّجَالِ فِي الْمَسْجِدِ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ جَمْعًا، وَفِي الْمَسَاجِدِ الَّتِي يَكْثُرُ فِيهَا النَّاسُ أَفْضَلُ؛ لِمَا رَوَى أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"صَلَاةُ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ وَصَلَاةُ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ، وَمَا كَانَ أَكْثَرَ فَهُوَ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ تعالى"فَإِنْ كَانَ فِي جِوَارِهِ مَسْجِدٌ مُخْتَلٍ1 فَفِعْلُهَا فِي مَسْجِدِ الْجِوَارِ أَفْضَلُ مِنْ فِعْلِهَا فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي يَكْثُرُ النَّاسُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا صَلَّى فِي مَسْجِد الْجِوَارِ حَصَلَتْ الْجَمَاعَةُ فِي مَوْضِعَيْنِ، وَأَمَّا النِّسَاءُ فَجَمَاعَتُهُنَّ فِي الْبُيُوتِ أَفْضَلُ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"لَا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمْ الْمَسَاجِدَ وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ"فَإِنْ أَرَادَتْ الْمَرْأَةُ حُضُورَ الْمَسَاجِدِ مَعَ الرِّجَالِ فَإِنْ كَانَتْ شَابَّةً أَوْ كَبِيرَةً تُشْتَهَى2 كُرِهَ لَهَا الْحُضُورُ، وَإِنْ كَانَتْ عَجُوزًا لَا تُشْتَهَى لَمْ يُكْرَهْ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم"نَهَى النِّسَاءَ عَنْ الْخُرُوجِ إلَّا عَجُوزًا فِي مِنْقَلَيْهَا"."
الشرح: حَدِيثُ أُبَيٍّ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ فِيهِ رَجُلٌ لَمْ يُبَيِّنُوا ، وَلَمْ يُضَعِّفْهُ أَبُو دَاوُد، وَأَشَارَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا إلَى صِحَّتِهِ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِلَفْظِهِ هَذَا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٌ عَلَى شَرْط الْبُخَارِيِّ، وَحَدِيثُ الْعَجُوزِ فِي مِنْقَلَيْهَا غَرِيبٌ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٌ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ:"مَا صَلَّتْ امْرَأَةُ صَلَاةً أَفْضَلَ مِنْ صَلَاةٍ فِي بَيْتِهَا إلَّا مَسْجِدَيْ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ إلَّا عَجُوزًا فِي مِنْقَلَيْهَا"وَالْمِنْقَلَانِ الْخُفَّانِ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّهُمَا الْخُفَّانِ الْخَلَقَانِ، وَهُمَا بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا، لُغَتَانِ وَالْفَتْحُ أَشْهُرُ، وَقَدْ أَوْضَحْتُهَا فِي التَّهْذِيبِ.
أما الأحكام:فَفِيهِ مَسَائِلُ: إحداها: قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْمُخْتَصَرِ وَالْأَصْحَابُ: فِعْلُ الْجَمَاعَةِ لِلرَّجُلِ فِي الْمَسْجِدِ أَفْضَلُ مِنْ فِعْلِهَا فِي الْبَيْتِ وَالسُّوقِ وَغَيْرِهِمَا؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ فِي فَضْلِ الْمَشْيِ إلَى الْمَسْجِدِ، وَلِأَنَّهُ أَشْرَفُ، وَلِأَنَّ فِيهِ إظْهَارَ شِعَارِ الْجَمَاعَةِ، فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ مَسَاجِدُ فَذَهَابُهُ إلَى أَكْثَرِهَا جَمَاعَةً أَفْضَلُ لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، فَلَوْ كَانَ بِجِوَارِهِ مَسْجِدٌ قَلِيلُ الْجَمْعِ وَبِالْبُعْدِ مِنْهُ مَسْجِدٌ أَكْثَرُ جَمْعًا فَالْمَسْجِدُ الْبَعِيدُ أَوْلَى إلَّا فِي حَالَيْنِ: أحدهما أَنْ تَتَعَطَّلَ جَمَاعَةُ الْقَرِيبِ لِعُدُولِهِ عَنْهُ لِكَوْنِهِ إمَامًا، أَوْ يَحْضُرَ النَّاسُ بِحُضُورِهِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْقَرِيبُ أَفْضَلَ الثاني: أَنْ يَكُونَ إمَامُ الْبَعِيدِ مُبْتَدِعًا كَالْمُعْتَزِلِيِّ وَغَيْرِهِ أَوْ فَاسِقًا أَوْ لَا يَعْتَقِدُ وُجُوبَ بَعْضِ الْأَرْكَانِ فَالْقَرِيبُ أَفْضَلُ. وَحَكَى الْخُرَاسَانِيُّونَ وَجْهًا: أَنَّ مَسْجِدَ الْجِوَارِ أَفْضَلُ بِكُلِّ حَالٍ، وَالصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ هُوَ الْأَوَّلُ، فَإِنْ كَانَ مَسْجِدُ الْجِوَارِ لَا جَمَاعَةَ فِيهِ، وَلَوْ حَضَرَ هَذَا الْإِنْسَانُ فِيهِ لَمْ يُحَصِّلْ جَمَاعَةً، وَلَمْ يُحَضِّرْ غَيْرُهُ فَالذَّهَابُ إلَى مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ بِالِاتِّفَاقِ
(الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) يُسَنُّ الْجَمَاعَةُ لِلنِّسَاءِ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا، لَكِنْ هَلْ تَتَأَكَّدُ فِي حَقِّهِنَّ كَتَأَكُّدِهَا فِي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 في بعض النسخ (تختل فيه الجماعة ) (ط)
2 في بعض النسخ ( يشتهي مثلها )