ج / 3 ص -163- الْإِقَامَةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَقْتٍ لِلدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رَوَى أَبُو أُمَامَةَ:"أَنَّ بِلَالًا أَخَذَ فِي الْإِقَامَةِ فَلَمَّا قَالَ: قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ، قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَقَامَهَا اللَّهُ وَأَدَامَهَا، وَقَالَ فِي سَائِرِ الْإِقَامَةِ مِثْلَ مَا يَقُولُهُ، فَإِذَا فَرَغَ الْمُؤَذِّنُ قَامَ".
الشرح: حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ جِدًّا، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي أَوَاخِرِ بَابِ الْأَذَانِ حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَاكَ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ"إذَا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي جَمَاعَةٍ"احْتِرَازٌ مِنْ الْمُنْفَرِدِ فَإِنَّهُ يَقُومُ أَوَّلًا، ثُمَّ يُقِيمُ قَائِمًا، وَقَوْلُهُ"لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَقْتٍ لِلدُّخُولِ"يَعْنِي أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ الدُّخُولُ فِيهَا قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ الْإِقَامَةِ لَا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الدُّخُولُ، فَإِنَّهَا يَصِحُّ الدُّخُولُ فِيهَا فِي أَثْنَاءِ الْإِقَامَةِ وَقَبْلَهَا، وَقَوْلُهُ:"وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ"يَعْنِي الدَّلِيلَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِوَقْتٍ، لِلدُّخُولِ؛ لِأَنَّ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم تَابَعَهُ فِي جَمِيعِ أَلْفَاظِ الْإِقَامَةِ وَلَا يُتَابِعُهُ إلَّا قَبْلَ الدُّخُولِ.
أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ: فَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ أَنْ لَا يَقُومَا حَتَّى يَفْرُغَ الْمُؤَذِّنُ مِنْ الْإِقَامَةِ، فَإِذَا فَرَغَ قَامَا [قِيَامًا] مُتَّصِلًا بِفَرَاغِهِ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو يُوسُفَ وَأَهْلُ الْحِجَازِ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ: إذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ نَهَضَ الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُونَ. فَإِذَا قَالَ: قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ كَبَّرَ وَكَبَّرُوا وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ رِوَايَتَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، كَانَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ إذَا قِيلَ: قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ وَثَبَ، وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ الله وَأَبُو قِلَابَةَ وَعِرَاكُ بْنُ مَالِكٍ وَالزُّهْرِيُّ وَسُلَيْمَانُ بْنُ حَبِيبٍ الْمُحَارِبِيُّ يَقُومُونَ إلَى الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ بُدُوِّهِ مِنْ الْإِقَامَةِ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ إذَا كَانَ الْإِمَامُ فِي الْمَسْجِدِ. وَكَانَ مَالِكُ لَا يُؤَقِّتُ فِيهِ شَيْئًا، هَذَا مَا نَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَوَافَقَنَا جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُكَبِّرُ الْإِمَامُ حَتَّى يَفْرُغَ الْمُؤَذِّنُ مِنْ الْإِقَامَةِ نَقَلَهُ عَنْهُمْ الْقَاضِي عِيَاضٌ.
وَاحْتُجَّ لِأَبِي حَنِيفَةَ بِمَا رُوِيَ أَنْ بِلَالًا قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ: صلى الله عليه وسلم"لَا تَسْبِقْنِي بِآمِينَ"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَعَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ فَرُّوخَ عَنْ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ:"كَانَ بِلَالٌ إذَا قَالَ: قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ نَهَضَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَكَبَّرَ"رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، قَالُوا: وَلِأَنَّهُ إذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ: قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ وَلَمْ يُكَبِّرْ الْإِمَامُ يَكُونُ كَاذِبًا، وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا الْمُحَدِّثُونَ مِنْهُمْ الْبَيْهَقِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا بِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم"إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِحَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ، قَالُوا: وَلِأَنَّهُ دُعَاءٌ إلَى الصَّلَاةِ فَلَمْ يُشْرَعْ الدُّخُولُ فِي الصَّلَاةِ إلَّا بَعْدَ فَرَاغِهِ كَالْأَذَانِ.
وَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ بِلَالٍ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحْسَنُهُمَا - وَهُوَ جَوَابُ الْبَيْهَقِيّ وَالْمُحَقِّقِينَ - أَنَّهُ ضَعِيفٌ رُوِيَ مُرْسَلًا، وَفِي رِوَايَةٍ مُسْنَدًا فَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ لَيْسَ بِشَيْءٍ وَإِنَّمَا رَوَاهُ الثِّقَاتُ مُرْسَلًا، وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ قَالَ: قَالَ بِلَالٌ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم"لَا تَسْبِقْنِي بِآمِينَ"قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: فَيَرْجِعُ الْحَدِيثُ إلَى أَنَّ بِلَالًا كَأَنَّهُ كَانَ يُؤَمِّنُ قَبْلَ تَأْمِينِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ:"لَا تَسْبِقْنِي بِآمِينَ".