ج / 3 ص -135- الشرح: اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ إلَّا فِي الْحَالَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ عَلَى تَفْصِيلٍ يَأْتِي فِيهِمَا فِي مَوْضِعِهِمَا، وَهَذَا لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِيهِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ وَإِنْ اُخْتُلِفَ فِي تَفْصِيلِهِ. وَالْمُرَادُ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ هُنَا الْكَعْبَةُ نَفْسُهَا. وَشَطْرُ الشَّيْءِ يُطْلَقُ عَلَى جِهَتِهِ وَنَحْوِهِ وَيُطْلَقُ عَلَى نِصْفِهِ. وَالْمُرَادُ هُنَا الْأَوَّلُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ قَدْ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْكَعْبَةُ فَقَطْ، وَقَدْ يُرَادُ بِهِ الْمَسْجِدُ حَوْلَهَا مَعَهَا، وَقَدْ يُرَادُ بِهِ مَكَّةُ كُلُّهَا، وَقَدْ يُرَادُ بِهِ مَكَّةُ مَعَ الْحَرَمِ حَوْلَهُمَا بِكَمَالِهِ، وَقَدْ جَاءَتْ نُصُوصُ الشَّرْعِ بِهَذِهِ الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ، فَمِنْ الْأَوَّلِ قَوْلُ الله تَعَالَى: {فَوَلِّ وَجْهَك شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} وَمِنْ الثَّانِي قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم:"صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ"وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم:"لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ"إلَى آخِرِهِ وَمِنْ الرَّابِعِ قوله تعالى: {إنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ} [التوبة: 28] وَأَمَّا الثَّالِثُ وَهُوَ مَكَّةُ فَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ: هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى} [الإسراء:1] وَكَانَ الْإِسْرَاءُ مِنْ دُورِ مَكَّةَ.
وَقَوْلُ الله تَعَالَى: {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامَ} [البقرة: 196] قِيلَ: مَكَّةُ، وَقِيلَ: الْحَرَمُ، وَهُمَا وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا سَنُوَضِّحُهُمَا فِي كِتَابِ الْحَجِّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَوْلُ الله تَعَالَى {وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ} [الحج: 25] هُوَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ الْمَسْجِدُ حَوْلَ الْكَعْبَةِ مَعَ الْكَعْبَةِ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَلَا إجَارَتُهُ ، وَالنَّاسُ فِيهِ سَوَاءٌ. وَأَمَّا دُورُ مَكَّةَ وَسَائِرُ بِقَاعِهَا فَيَجُوزُ بَيْعُهَا وَإِجَارَتُهَا. وَحَمَلَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ وَافَقَهُ عَلَى جَمِيعِ الْحَرَمِ فَلَمْ يُجَوِّزُوا بَيْعَ شَيْءٍ مِنْهُ وَلَا إجَارَتَهُ وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَةُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مَبْسُوطَةً حَيْثُ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، فَهَذَا مُخْتَصَرُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَسْجِدِ ، وَقَدْ بَسَطْته فِي تَهْذِيبِ1 الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ وَالله أَعْلَمُ.
فرع: فِي بَيَانِ أَصْلِ اسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ.
عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنهما"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ صَلَّى قُبُلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا ، وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ الْبَيْتِ ، وَأَنَّهُ أَوَّلُ صَلَاةٍ صَلَّاهَا صَلَاةُ الْعَصْرِ ، وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ وَهُمْ رَاكِعُونَ فَقَالَ: أَشْهَدُ بِالله لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قُبُلَ مَكَّةَ فَدَارُوا كَمَا هُمْ قُبُلَ الْبَيْتِ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 مما ذكره ما يقيدها أن ذرع ما بين الركن الأسود وإلى مقام إبراهيم عليه السلام 2 ذراعا و9 أصابع وذراع ما بين جدار الكعبة من وسط الكعبة إلى المقام 27 ذراعا وذرع ما بين شذروان الكعبة والمقام 26 ذراعا ونصف ومن الركن الشامي إلى المقام 28 ذراعا و19 أصبعا من الركن الذي فيه الحجر الأسود إلى حد حجرة زمزم 36 ذراعا ونصف ذراع ومن الركن الأسود إلى رأس زمزم 40 ذراعا ومن وسط جدار الكعبة إلى جدار المسمى 213 ذراع ومن وسط جدار الكعبة إلى الجدار الذي يلي باب بني جمح 119 ذراعا ومن وسط جدار الكعبة إلى جدار الذي يلي الوادي 141 ذراعا و18 أصبعا (ط) .