حجاب نفسك إذا ترى، فوق السماء من ديان، لو قلت ما فوق السماء مدبر والعرش تخليه من الرحمن، والله ليس متكلما بالقرآن لحلك طلسمه وفزت بكنزه وعلمت أن الناس في هذيان، لكن زعمت أن ربك بائن من خلقه وأنه فوق العرش والكرسي وفوقه القدمان وأنه يسمع خلقه ويراهم من فوق وأن كلامه منه بدا وإليه (1) يعود ووصفته بالسمع والبصر والإرادة والقدرة وكراهة ومحبة وحنان، وأنه يعلم كل ما في الكون، وأنه كلم موسى، والنداء صوت بإجماع النحاة، وأن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - أسري به (ليلا إليه) فهو منه دانى وأنه يدنيه يوم القيامة حتى يرى قاعدًا معه على العرش وأن لعرشه أطيطا (2) وأن الله أبدى بعضه للطور، وأن له
=يجهل أن الملء والتخلية من شأن الأجسام نفيًا وإثباتًا ولم يرد الملء في سنة صحيحة حتى يجوز إطلاقه عليه سبحانه.
على أن تنزهه سبحانه عن الجسمية ولوازم الجسمية مما أجمع عليه أهل الحق، ولم يشك فيه سوى من عنده نزعة الوثنية.
ولفظ (بائن من خلقه) لم يرد في كتاب ولا سنة، وإنما أطلق من أطلق من السلف بمعنى نفي الممازجة ردًا على جهم لا بمعنى الابتعاد بالمسافة، تعالى الله عن ذلك، كما صرح بذلك البيهقي في الأسماء والصفات.
وأما لفظ أنه فوق العرش فلم يرد مرفوعًا إلا في بعض طرق حديث الأوعال -من رواية ابن منده في التوحيد- وعبد الله بن عميرة في سنده مجهول الحال، ولم يدرك الأحنف فضلًا عن العباس. وسماك انفرد به عن عبد الله هذا، في جميع الطرق، ويحيى بن العلاء في رواية عبد الرزاق عن سماك يقول عنه أحمد: كذاب يضع الحديث. وتصحيح بعض الحشوية لبعض طرق حديث الأوعال لا يزيل ما به سندًا ومتنًا، بل خبر الأوعال ملفق من الإسرائيليات كما نص عليه أبو بكر ابن العربي في شرح سنن الترمذي؛ وأنت تعرف مبلغ براعته في الحديث ونقده.
وتحسين الترمذي بالنظر إلى تعدد طرقه بعد سماك، وهذا مصطلح له وقوله: غريب إشارة إلى انفراد سماك عن ذلك المجهول ولا شأن للمجاهيل والوحدان والمنقطعات في إثبات الصفات أصلًا ولم يثبت عن القدمين حديث مرفوع، وقول ابن عباس لإفادة أن الكرسي صغير بالنسبة إلى العرش ككرسي قد وضع لقدمي القاعد على السرير كما قال ابن الجوزي.
ورواية من رواه بلفظ (قدميه) تحريف للرواية؛ وتقييد الرؤية بلفظ (من فوق) من كيس المجسم بدون كتاب ولا سنة.
ووصفه سبحانه بالصفات الواردة في الكتاب والسنة لم ينفه أحد من أهل الحق، كما لم ينف أحد منهم كلام الله لموسى بلا كيف.
والإقعاد معه على العرش يروى عن مجاهد بطريق ضعيفة, وتفسير المقام المحمود بالشفاعة متواتر تواترًا معنويًا. وأني ما ينسب إلى مجاهد من ذاك؟ وقد صرح غير واحد من الأئمة ببطلان ما يروى عن مجاهد، ويرى بعض النصارى رفع عيسى عليه السلام وإقعاده في جنب أبيه وهذا هو مصدر هذا التخريف.)
(1) قال ابن المعلم القرشي: وهذا الحديث أوردوه بإسناد فيه محمد بن يحيى ابن رزين، قال أبو حاتم البستي: كان كذابًا دجالًا يضع الأحاديث اهـ، وزيادة على ما سبق سيأتي الكلام على الصوت فانتظره، ودعوى الإجماع في أن النداء صوت كذب كما سيأتي.)
(2) ويغنينا عن إبداء وجوه التخليط في حديث الأطيط ما ألَّفه الحافظ ابن عساكر في ذلك، وإبداء بعضه=