نقصت عقولهم أو غلب عليها من أضلهم فاعتقدوا أنهم يقولون بالحديث. ولقد كان أفضل المحدثين في زمانه بدمشق ابن عساكر (1) يمتنع من تحديثهم ولا يمكنهم أن يحضروا مجلسه وكان ذلك أيام نور الدين الشهيد وكانوا مستذلين غاية الذلة.
ثم جاء في أواخر المائة السابعة رجل له فضل ذكاء وإطلاع ولم يجد شيخا يهديه وهو على مذهبهم وهو جسور متجرد لتقرير مذهبه ويجد أمورًا بعيدة فبجسارته يلتزمها فقال بقيام الحوادث بذات الرب سبحانه وتعالى (2) وقال إن السفر لزيارة النبي - صلى الله عليه وسلم - معصية (3) وقال إن
(1) وقد سبق أن نشر (تبيين كذب المفتى في الذب عن الأشعري) له مع مقدمة لنا عليه في بيان الحالة العامة عند البعثة النبوية ولمعة في نشأة الفرق وتعليقات على مواضع من الكتاب كنت كتبتها, ففيها وفي الكتاب كثيرٌ مما يتعلق بالحشوية.
ولابن عساكر أيضًا مجلس في إثبات التنزيه وآخر في نفي التشبيه، وكتاب في (بيان وجوه التخليط في حديث الأطيط) وكتاب في (سرد الأسانيد في حديث يوم المزيد) يبين فيها وجوه الضعف في أحاديث الأطيط وروايات يوم المزيد.
(2) (2) اتفقت فرق المسلمين سوى الكرامية وصنوف المجسمة على أن الله سبحانه منزَّه من أن تقوم به الحوادث وأن تحل به الحوادث وأن يحل في شيء من الحوادث بل ذلك مما علم من الدين بالضرورة.
ودعوى أن الله لم يزل فاعلًا متابعة منه للفلاسفة القائلين بسلب الاختيار عن الله سبحانه، وبصدور العالم منه بالإيجاب.
ونسبة ذلك إلى أحمد والبخاري وغيرهما من السلف كذب صريح وتقوُّل قبيح.
ودعوى أن تسلسل الحوادث في جانب الماضي غير محال لا تصدر ممن يعي ما يقول, فمن تصور حوادث لا أول لها تصوَّرَ أنه ما من حادث محقق، وأن ما دخل بالفعل تحت العد والإحصاء غير متناه، وأما من قال بحوادث لا آخر لها فهو قائل بأن حوادث المستقبل لا تنتهي إلى حادث محقق إلا وبعده حادث مقدَّر، فأين دعوى عدم تناهي ما دخل تحت الوجود في جانب الماضي من دعوى عدم تناهي ما لم يدخل تحت الوجود في المستقبل؟
على أن القول بالقدم النوعي في العالم من لازمه البيِّن عدم تناهي عدد الأرواح المكلفة فأني يمكن حشر غير المتناهي من الأرواح وأشباحها في سطح متناه محدود على هذا التقدير؟ فيكون القائل بعدم تناهي عدد الكلفين قائلًا بنفي الحشر الجسماني بل بنفي الحشر الروحاني أيضًا حيث إن هذا القائل لا يعترف بتجرد الروح فيكون أسوأ حالا من غلاة الفلاسفة النافين للحشر الجسماني.
وفي شواذ ذلك الزائغ كتب خاصة ترد عليه في بدعه الأصلية والفرعية، ولاستقصاء ذلك موضع آخر.) وأن الله سبحانه ما زال فاعلا وأن التسلسل ليس بمحال فيما مضى ما هو فيما سيأتي, وشق العصا، وشوَّش عقائد المسلمين وأغرى بينهم ,ولم يقتصر ضرره على العقائد في علم الكلام حتى تعدى
(3) وضبطت فتواه بخطه بهذا المعنى وثبت ذلك ثبوتًا شرعيًا وشهد بذلك الإمام جلال الدين القزويني صاحب التلخيص والإيضاح، وألَّف قاضي قضاة المالكية تقي الدين أبو عبد الله محمد الإخنائي في الرد عليه (المقالة المرضية في الرد على من ينكر الزيارة المحمدية) كما ألَّف في الرد عليه المؤلف شفاء السقام في تلك المسألة, بل جمع الحافظ الصلاح العلائي طرق حديث الزيارة في الرد عليه أيضًا بطلب =