التأويل لم يرتكب محذورًا ولا وصف الله تعالى بما لا يجوز عليه والمفروض المنزه لا يقدم على التفسير بذلك لاحتمال أن يكون المراد خلافه وقصور أفهامنا عن وصف الحق سبحانه وتعالى مع تنزيهه عن صفات الأجسام قطعًا. والمعنى الثاني للاستيلاء في اللغة الجلوس والقعود، ومعناه مفهوم من صفات الأجسام لا يعقل منه في اللغة غير ذلك والله تعالى منزه عنها، ومن أطلق القعود وقال إنه لم يرد صفات الأجسام قال شيئًا لم تشهد به اللغة فيكون باطلا وهو كالمقر بالتجسيم (1) المنكر له فيؤاخذ بإقراره ولا يفيد إنكاره. واعلم أن الله تعالى كامل الملك أزلا وأبدًا، ولكن العرش وما تحته حادث، فإن قوله {ثم استوى على العرش} لحدوث العرش لا لحدوث الاستواء.
فصل
قال: (وثانيها لفظ العلي والأعلى(2) والعلو بمطلقه عام ونفيه نقص وعلوه فوق الخليقة كلها فطرت عليه الخلق) فيقال أسماء الله قديمة فإن لزم من العلى والأعلى كونه فوق جسم لزم قدم العالم. والذي فطرت عليه والبديهة التعظيم إلى أعلى غاية.
(1) والإقرار بتجويز الجسمية بكل صراحة موجود في كلام شيخه فيما رد به على الفخر الرازي كما سبق، بل لصاحب الفرج بعد الشدة الشيخ محمد المنبجي الحنبلي من أخص تلاميذ الناظم رسالة في الرد على من ينفي المماسة بكل وقاحة! وما تخفي صدور هؤلاء أكبر. فالمؤمن الرشيد يجب عليه أن يتوقى من الوقوع في هاويتهم؛ والمسألة مسألة كفر وإيمان وسننقل نصوصًا من الكتابين المذكورين في مواضع تحذيرًا للمغترين.
(2) العلو ومشتقاته من صفات التنزيه تعالى الله عما يصف به المجسمة، والحمل على علو المكان نزعة وثنية. قال ابن تيمية في التأسيس:"والباري سبحانه وتعالى فوق العالم فوقية حقيقية ليست فوقية الرتبة كما أن التقدم على الشيء قد يقال إنه بمجرد الرتبة كما يكون بالمكان مثل تقدم العالم على الجاهل وتقدم الإمام على المأموم فتقدم الله على العالم ليس بمجرد ذلك بل هن قبلية حقيقية وكذلك العلو على العالم قد يقال إنه يكون بمجرد الرتبة كما يقال العالم فوق الجاهل وعلو الله على العالم ليس بمجرد ذلك بل هو عال عليه علوًا حقيقيًا وهو العلو المعروف والتقدم المعروف"اهـ.
فهل يشك عاقل أن ابن تيمية يريد بذلك الفوقية الحسية والعلو الحسي، تعالى الله عما يأفكون، واستعمال العلو ومشتقاته في اللغة العربية بمعنى علو الشأن في غاية من الشهرة رغم تقول المجسمة.