فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 196

المستمعين، فإن الخلق في عصر النبي صلى اللّه عليه وسلم انقسموا إلى من شاهد فسمع وتحقق وعرف، وإلى من غاب فسمع من المبلغين وآحاد الأمراء والولاة فاستفادوا ظنا من قولة الآحاد، ولكن وجب عليهم العمل بالظن للضرورة. فإن النبي صلى اللّه عليه وسلم عجز عن إسماع كل واحد بنفسه من غير واسطة، ولم يشترط أن تتواتر عنه كل كلمة في كل واقعة لتعذّره، والعلم يحصل بأحد هذين المسلكين، وهو متعذر قطعا.

(و الطرف الثانى) في نفس الصورة الفقهية والحوادث الواقعة، إذن ما من واقعة إلا وفيها تكليف، والوقائع لا حصر لها، بل هى في الإمكان غير متناهية. والنصوص لا تفرض إلا محصورة متناهية، ولا يحيط قط ما يتناهى بما لا يتناهى. وغاية صاحب الشرع مثلا أن ينصّ على حكم كل صورة اشتمل عليها تصنيف المصنفين في الفقه إلى عصرنا هذا. ولو فعل ذلك واستوفاه كانت الوقائع الممكنة الخارجة عن التصانيف أكثر من المسطورات فيها، بل لا نسبة لها إليها؛ فإن المسطورات محصورة، والممكنات لا حصر لها. فكيف يستوفى ما لا يتناهى بالنص! فبالضرورة لا بدّ من تحكيم الظن في التعلق بصيغ العمومات، وإن كان يحتمل أنها أطلقت لإرادة الخصوص، إذ عليها أكثر العمومات. ولذلك لما بعث رسول الله صلى اللّه عليه وسلم معاذا «1» إلى اليمن وقال له: بم تحكم؟ فقال: بكتاب الله.

قال: فإن لم تجد؟ قال: فبسنة رسول الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيى.

فقال صلى اللّه عليه وسلم: الحمد لله الّذي وفّق رسول رسوله لما يرضاه رسوله؛ فإنما رخص له في اجتهاد الرأى لضرورة العجز عن استيعاب النصوص للوقائع.

هذا بيان هذا القسم، ولا حاجة فيه إلى إمام معصوم، بل لا يغنى الإمام المعصوم شيئا، فإنه لا يزيد على صاحب الشرع؛ وهو لم يغن في كلا الطرفين، فلا قدرة على استيعاب الصور بالنصوص، ولا قدرة على مشافهة جميع الخلق ولا على تكليفهم اشتراط التواتر في كل ما ينقل عنه عليه السلام. فليت شعرى!

(1) معاذ بن جبل- رضى الله عنه- عند ما أرسله رسول الله صلى اللّه عليه وسلم إلى اليمن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت