والقول الثاني: هم الأمراء لاسيما أمراء السرايا والبعوث الذين كان يرسلهم رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- ويدل على الأول- أنهم هم العلماء علماء الدين- يدل على ذلك قول الله -عز وجل-: ?فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ ?43? بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ ?44 [النحل: 43، 44] فالعالم يسأل عن الحكم في المسألة فإذا أخبر بالحكم مدعمًا بالدليل كان قبول ما قال من شرع الله -عز وجل-، ومما يُدعِّمُ القول الثاني أن المقصود ب?وَأُولِي الأمْرِ? هم الأمراء، قول النبي -عليه الصلاة والسلام- في البخاري ومسلم: (إنما الطاعة في المعروف) ، وفي البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمر أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: (السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية فإن أُمِرَ بمعصية فلا سمع ولا طاعة) .
وفي مسلم عن أبي ذر -رضي الله تعالى عنه- قال: (أوصاني خليلي) يقصد النبي -عليه الصلاة والسلام- (أن أسمع وأطيع) أي: للأمير (وإن كان عبدًا مُجدَّعَ الأطرافِ) ، أي مقطع اليدين والرجلين.
وقيل: هم العلماء والأمراء معًا، أي هذا قول ثالث يشمل الصنفين معًا، وهذا اختيار القرطبي وابن كثير -عليهما رحمة الله-، وهناك قول جيد ذكره بعض المتأخيرن كالشوكاني في"فتح القدير"أنه قال: «المقصود ب?أُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ? من ولي ولاية شرعية لا طاغوتية» ، فبهذا المفهوم اتسعت معاني الولاية لتشمل الأب في بيته ومدير المدرسة في مدرسته وعميد الكلية في كليته، ورئيس الحي في حيه، فكل من ولي ولاية شرعية صارت طاعته طاعة لله إن كان آمرًا بالمعروف.