البدن، لو أن إنسانًا قطعت يده، هو إنسان أم انتفت عنه صفة الإنسانية؟ هو إنسان، لو
قطعت رجله إنسان أم انتفت عنه صفة الإنسانية؟ هو إنسان ولكنه ناقص، وكذلك المكلف،
إذا أتى بكبيرة أو فرط في واجب، دون التوحيد؛ لأن التوحيد واجب فأول واجب على
العبيد معرفة الرحمن بالتوحيد، فإذا فرط في واجب دون التوحيد أو أتى بكبيرة فإن
حاله في ذلك كحال هذا البدن الذي جدع شيء منه، أو بتر طرف من أطرافه، فإنه لا ينتفي
عنه الاسم الكلي ولكنه ناقص بما قطع منه، فكذلك هو، فمن أتى بكبيرة أو فرط في واجب
فإنه مؤمن بما معه من إيمان، لا نقول: مؤمن هكذا، ولكنه مؤمن بما معه من إيمان،
وفاسق بما أتى من عصيان، فهو مؤمن بإيمانه وفاسق بكبيرته وعصيانه، وهذا الصنف مرده
إلى الله -عز وجل- كما سيأتي إن شاء عفا عنه ابتداءً وإن شاء عذبه ثم بعد ذلك أدخله
الجنة انتهاءً مثل ماذا؟ مثل ترك الصلاة على أحد القولين؛ لأن هذه مسألة نزاع عظيمة
وتنازع السابقون فيها كما تنازع اللاحقون وترك بعض الواجبات، فمن ترك صلة الرحم كان
معرضًا لهذا الأمر، ومن ترك الصلاة تكاسلًا- على أحد القولين- كان معرضا لهذا
الأمر، أما من ترك بعض الإيمان المستحب مثل ماذا؟ مثل أذى ولكنه لا يؤذي إيذاءً
فاحشًا لو أن هناك أذى في طريق المسلمين ولكنه لا يقطع الطريق عليه يعني ماذا؟ هناك
حجر طوب كبير جدًا, وتركه وانصرف يمكن للسيارات أن تمشي وللسابلة أن تسير لا يقطع
السبيل فمن أزاح هذا الحجر عن الطريق أثيب على ذلك الأمر ومن لم يفعل ذلك لم يكن
آثمًا إلا إذا كان الأذى مما يقطع على الناس طريقهم، فقد يكون آثمًا إن لم يزحه عن
الطريق، ومنه النبي -عليه الصلاة والسلام- في الحديث الصحيح:(رأى رجلًا يتقلب في
الجنة لغصن نحاه عن طريق المسلمين)إذن: إماطة الأذى هذه من الأمور المستحبة, وإذا
لم تأتِ بها فاتك خير لكن لا تكون بذلك آثمًا في بعض الأحيان كما لا تكون بذلك