الأصل الأول: القدر سر من أسرار الله وغيب من جملة غيبه، فكما أن الله -تعالى- لا
يطلع على غيبه أحدًا، فإن الله -تعالى- لا يطلع على حكمة القدر إلا من شاء، وهذه
مسألة لابد أن تفهمها وأن تعيها جيدًا، فالقدر غيب من غيب الله -عز وجل- ولا يطلعه
إلا على من يشاء من عباده، في الصحيح أن النبي -عليه الصلاة والسلام- كان يخطب وكان
بجواره ابن ابنته الحسن، فقال النبي -عليه الصلاة والسلام-: (إن ابني هذا سيد)
ويشير إلى الحسن، (إن ابني هذا سيد) الحسن بن علي، -رضي الله تعالى عنه-(وسيصلح
الله -تعالى- على يديه بين طائفتين عظيمتين من أمتي)، هذا كلام النبي -عليه الصلاة
والسلام- العجيب في سنة واحد وأربعين من الهجرة أتى معاوية في جند كثيف من أهل
الشام، وخرج الحسن بن علي في جند كثيف من أهل العراق وما حولها، في ساحة المعركة
عشرات الآلاف أكثر من مائة وخمسين ألفًا مثلا، عندما نظر الحسن بن علي وكان أميرًا
لمؤمنين بايعه أهل العراق وأهل مصر وأهل الجزيرة وأهل اليمن وأهل إفريقيا هؤلاء
كلهم بايعوا من؟ بايعوا الحسن بن علي، ومعاوية ليس معه إلا الشام فقط، لكن عندما
نظر الحسن بن علي، فوجد أن دماء المسلمين ستسفك من أجل الإمارة ماذا حصل؟ راسل
معاوية وتنازل له عن إمرة المؤمنين وسمي هذا العام بعام الجماعة، وصدق ما قال النبي
-عليه الصلاة والسلام.
الغيب غيبان وسأذكر هذا في محله مرة أخرى: غيب مطلق وغيب نسبي.
الغيب المطلق: لا يعلمه أحد إلا الله، قال الله -عز وجل- ?وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ
الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ? [الأعراف: 188] ،
فالله -عز وجل- لم يطلع أحدًا على غيبه أحدًا أبدًا ?إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن
رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَد ?[الجن:
27]، فالله- تعالى- قد يطلع على بعض غيبه من شاء من خلقه، فهذا هو الغيب المطلق هذا